بداية، لا يعني انتقادي للهجوم الذي شنّته تركيا على منطقة عفرين أنني أرجح طرفًا على طرف آخر؛ لأنني منذ البداية ضد كافة أشكال التدخّل الخارجي في سوريا، الذي تسبّب بتقسيم بلد بأكمله وتشريد أكثر من عشرة مليون سوري، وجعلهم تائهين في أصقاع الأرض، دون الحديث عن المصائب الأخرى التي أخذت بسوريا (في ستّين ألف داهية).

 تدخل تركيا في عفرين أخذ بعدًا فوضويًا آخر للصراع السوري، وليس أقله بالنسبة للمدنيين الذين يعانون معاناة طويلة في المنطقة. ومع ذلك، في حين أن الهجوم العسكري التركي يفتح جبهة أخرى – ويزيد من تعزيز الاحتلال الأجنبي للبلاد – فإنه لن يضر بشكل أساسي بموقف الأسد الأوسع. والواقع أن موقف تركيا يعزز قدرة روسيا على المضي قدمًا بعملية سياسية ودية للنظام.

هذا هو ثاني توغل كبير في أنقرة في سوريا، ولكن أول مواجهة للجيش التركي مع الأكراد السوريين. لقد تمكن الأكراد من السيطرة ببطء على شمال سوريا منذ عام 2012 وأنشأوا (كانتونات) ذاتية الحكم هناك.

وقد أثار التدخل التركي بين خصوم الأسد؛ مما أدى إلى تخفيف الضغط عليه، بما في ذلك وقف الحملة العسكرية المستمرة للنظام في إدلب. يقاتل مقاتلو المعارضة السوريون المدعومون من تركيا الآن الأكراد السوريين، على الرغم من أن هؤلاء المقاتلين قد وضعوا أنفسهم بشكل متزايد في معسكر الأسد بعد عدّة سنوات

وتقول الحكومة التركية إن هدف (فرع الزيتون) هو سحق وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، لكن وحدات حماية الشعب هي أيضًا حليف رئيس للولايات المتحدة وعمود القوات البرية المناهضة لـ(داعش) التي تدعمها الولايات المتحدة.

ويعكس هذا الصراع ازدياد الهوّة بين تركيا والولايات المتحدة ومعارضي الأسد وحلف الناتو الذي اعتقد أن هذه العملية تخدمه في الحد من انتشار النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. وقد أثار انحياز الولايات المتّحدة للأكراد السوريين وتدريبهم ودعمهم غضب أنقرة إلى حد أن اتّهم أوردوغان الأمريكان بدعم الإرهاب والتآمر معهم على أمن تركيا، بالرغم من تأكيدات إدارة ترامب على أن علاقتها بالأكراد هي مجرّد تكتيك، وليس حلفًا بأتم معنى الكلمة، وسينتهي هذا التكتيك بمجرّد استقرار الشمال السوري.

تركز أنقرة حاليًا على منع قيام منطقة كردية مستقلة في سوريا، في حين أعلنت واشنطن مؤخرًا عن استراتيجية سورية جديدة بأن الأكراد (غير العفرين) الذين يتخذون من الأكراد مقرًا لهم، يشكلون رأس الحربة لجماعة داعش المناهضة للأسد والمعادية للتقارب مع إيران.

إن موسكو تلعب ببراعة وتستغلّ هذا الخلاف جيّدًا. ثم إن قرار روسيا بإعطاء أوردوغان الضوء الأخضر على عفرين ربما يكون له علاقة أكبر بكسب تنازلات على عملية أستانا – مثل موافقة أنقرة على تقدم النظام السوري في إدلب – أكثر من أي شعور حقيقي بالتهديد الكردي. يعرف الروس أيضًا أن المواجهة التركية الكردية التي طال أمدها يمكن أن تجعل أنقرة أكثر امتثالًا لموسكو وتقرّب أوردوغان أكثر من بوتين. وأن تجبر الأكراد السوريين على قبول تسوية سياسية مع نظام الأسد.

أما بالنسبة للأسد فبإمكانه الآن أن يحاول استغلال ضعف الأكراد في محاولتهم لإبرام اتفاق مواتٍ مع النظام يهدف إلى الدفع ضد وجود تركيا وتخفيف النفوذ الأمريكي في المنطقة. بدلًا عن ذلك قد ينظر إلى قطع صفقة مع تركيا على رؤوس الأكراد. وعلى الأرجح، ومع العلم بسجل الأسد، فإنه سيسعى إلى إثارة تصعيد أوسع بين جميع الأطراف، ويتوقع الصراع المتزايد بين خصومه لتعزيز موقفه.

ماذا تعني هذه العمليّة بالنسبة إلى الأكراد؟ تعتقد وحدات حماية الشعب أن الموافقة الروسية على الهجوم التركي تنبع من حقيقة أن موسكو تحاول إضعاف الأكراد لتعزيز موقف النظام السوري في تشكيل مستقبل سوريا. وبالتالي فهو يقلل من إمكانية مشاركة الإدارات التي تقودها الأكراد في أية خطة سلام تدعمها روسيا.

وكان قادة وحدات حماية الشعب يشككون بعمق في  العلاقة الروسية مع تركيا، وعلموا بتغيير محتمل في السياسة في واشنطن عقب العملية التي قادتها وحدات حماية الشعب ضد  لداعش في الرقة. ولذلك فهم يفترضون بالفعل أنهم قد يحتاجون إلى تحمل العبء الأكبر للهجوم التركي المحتمل وحده.

وحاليا الجيش التركي يستخدم الآن مقاتلات جوّية لقصف أهداف على علو شاهق لكي يترك وحدات حماية الشعب دون فرصة للرد. ومع ذلك، فإن وحدات حماية الشعب تعلق أهمية كبيرة على عفرين وتعتقد أنه إذا تمكن الجيش التركي من هزيمتهم في عفرين، سيحاولون فعل الشيء نفسه في مناطق أخرى عبر شمال سوريا. أي أن تركيا لن تتوقف عند عفرين فقط.

الله يكون في عون سوريا.. فمن المؤسف أن ترى القتل بكامل الأصناف هناك، التركي يقتل السوري، الروسي والأمريكي والايراني وجميعهم يذبحون الشعب هناك، بل حتى أن هذا الغزو أظهر حقيقة الكثيرين، فتجد البعض يصطف مع تركيا والبعض مع روسيا والبعض مع إيران والحبل على الجرّار.. فالحل المفضّل عند العرب لمشكلة الاستبداد هي في جلب الاستعمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد