نقرأ كثيرا في القرآن الكريم أن الله ـ عز وجل ـ خلق السماوات والأرض في ستة أيام, فهذه الحادثة ذكرت في ثمانية مواطن في كتاب الله, ولعلها تتطلب بعض التفكر والتدبر. فما هي هذه الأيام التي تم خلق الكون فيها؟ وهل هي كأيامنا التي نعرفها؟

لنبدأ بالقول أولا إن الزمن نسبي وغير مطلق, فهو يختلف باختلاف الراصد له, فقد تغيرت نظرة الإنسان للزمن منذ أن وضع أينشتاين نظريته النسبية واعتباره الزمنَ البعدَ الرابع المرافق للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة للجميع.

إننا نقدر الوقت على الأرض بوحدات زمنية معروفة لنا, فاليوم يقسم لأربع وعشرين ساعة وهي المدة التي تستغرقها الأرض للدوران حول نفسها مرة واحدة, والسنة الأرضية تحوي 365 يوما, ولكن هل نعتبر هذا التقويم هو المقياس المعياري للزمان في الكون؟ ولم لا نعتبر مثلاً يوم كوكب الزهرة، والذي يبلغ 5832 ساعة أرضية, أو يوم كوكب المشتري والذي يبلغ 10 ساعات أرضية المقياس المعياري للزمن؟ كوننا نعيش على الأرض لا يعني مطلقا أن توقيتنا هو التوقيت الكوني المعتمد, فما هي الأرض غير ذرة سابحة في هذا الكون الفسيح؟

ولكن فلنفرض بأننا اعتبرنا الساعة أو اليوم الأرضي مقياسنا المعياري, ستبرز عندئذ مشاكل كبيرة على الزمن! فكوننا المترامي الأطراف يكاد يكون لا نهائيا الحجم بمسافات هائلة تفصل بين مناطقه, واستخدام التوقيت الأرضي لقياس الأزمنة والمسافات في الكون لن يجدي نفعاً.  لذا اتفق العلماء أن يستخدموا مقياسا معياريا يعتمد على ثابت لا يتغير لقياس الزمن. هذا الثابت هو سرعة الضوء، والتي تقدر بحوالي 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة. فمثلا, تبعد الشمس عنا حوالي ثمان دقائق ضوئية, أي أن الضوء الذي يخرج من الشمس يحتاج لثمان دقائقَ كي يصل إلى الأرض.

وهذا يعني أن الشمس لو اختفت فجأةً من الوجود, فإننا على الأرض لن نلاحظ ذلك إلا بعد حوالي ثماني دقائق من اختفائها, وهو الوقت اللازم لضوء الشمس حتى يصل إلينا. إذن فهنالك ثمان دقائق تفصل بين لحظة “الآن” على الشمس ولحظة “الآن” التي نعرفها نحن سكان الأرض. وبنفس الطريقة نستطيع تطبيق ذلك بين نجم يبعد عنا آلاف، بل ملايين السنين الضوئية.

فما يحصل الآن على ذلك النجم سيصلنا في المستقبل البعيد جدا على الأرض بعد آلاف أو ملايين السنين بحسب بعد هذا النجم عنا، وقد لا تكون الأرض موجودةً لكي يُلاحظ ذلك.

يساعدنا هذا الفهم النسبي للزمن على فهم دلالة أيام الخلق الستة, فلنعد إليها:

أثبت العلم أن الأرض قد تكونت وأصبحت صالحة للحياة في حوالي أربعة مليارات عام  مرت خلالها بمراحل تكوينية عديدة حتى أصبحت بيئة مناسبة لنشوء الحياة وانتشارها. فلا يُعقل القول بأن الكون كله خلق في ستة أيام أرضية, بل يجب فهم السياق والدلالة القرآنية فهما صحيحا يعين على الإيمان واستشعار عظمة الخالق عز وجل: ألم يقل ربنا سبحانه في سورة آل عمران:” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ“. و لعل الفهم الدقيق لمعاني كلمة اليوم في القرآن الكريم يعين على ذلك.

وردت كلمة اليوم في القران الكريم بعدة معان مختلفة عما نعرفه من مفهوم اليوم الأرضي: فجاءت مرةً بمعنى النهار كما في قوله سبحانه في سورة الحاقة:” سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا“, و جاءت أيضا بمعنى اليوم الأرضي المطلق الذي نعرفه كما في قوله سبحانه في سورة البقرة:” اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ“, وفي موطن آخر جاءت بمعنى واقعة محددة من التاريخ أو حدث معين, كما في قوله سبحانه في سورة طه:” قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى“, والعرب تسمي وقعاتها يوما, قال سبحانه في سورة التوبة:”وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ “.

وجاءت كلمة اليوم أيضا بمعنى يوم محدد المدة، ولكنه أطول من يومنا الأرضي المعروف كما في قوله سبحانه في سورة الحج:”وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ“, وجاءت بمعنى يوم لا يعلم مدته إلا رب العزة كما في قوله في سورة المعارج:”تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ“, فلم يحدد ربنا هنا ما مقدار هذه السنة, أهي كسنيننا المعروفة أم لا.

وعليه فلا يمكن الجزم بأن أيام الخلق الستة هي أيام عادية كالتي نعرفها, بل إن اعتبار هذه الأيام كأيامنا يجانب المنطق, حيث إن الأيام الأرضية وجدت بعد أن خلقت الأرض واستقرت في دورانها حول نفسها، لكي ينشأ الليل والنهار ويكتمل اليوم الأرضي بأربع وعشرين ساعة. والقرآن الكريم لم يشر بلفظ صريح لكون هذه الأيام أياما عادية, بل ترك أمرها إلى الله. وفي سياق آيات خلق السماوات والأرض, لم تكن الأرض قد خلقت بعد, فكيف يكون يوم الخلق كيوم أرضي؟ فالصواب هو أن هذه الأيام هي فترات زمنية مقدرة عند الله سبحانه, ولعلها تكون إشارة لمراحل تكوين وخلق الأرض والسماوات، والله تعالى أعلى وأعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخلق, القرآن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد