استكمالًا لما سبق، وتعجبًا من ذلك الذي لا ينتهي مما أصبح عليه المجتمع من تدهور أسري وتدني أخلاقي وكل ما نتج عنهما من تبعات، من انعدام ثقة واستغلال وكل ما آل إليه الوضع من استبدال للأقوال واستباحة للحرمات يتعجب منها كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

أكتب الآن لأن العقل لم يعد يقو على استيعاب ما يحدث، ولا تحليل ما يجري، فلا يمكن أن يكون هذا هو المجتمع الذي قررنا ترك كل فرصنا في التمتع بحياة كريمة في بلاد أخرى في سبيل أن نستقر فيه، أملًا في المحافظة على ما تبقى بداخلنا من جميل زرعه الله فينا، لكننا لما عدنا وبلا أي إدراك فصرنا نخاف على أبنائنا فيه أكثر ولا نأمن على أنفسنا كما كنا نتوقع، ونفعل الخير لله فلا نرى إلا استغلالًا ووحشية.

كل هذا الكلام ليس ندمًا وإنما تعجبًا، تعجبًا واندهاشًا من أن كل هذا يحدث هُنا، ولم يحدث أو نلحظه في الدول التي لا تشتهر بدين معين.

 فهل هي القوانين التي تحكم الأمر لا أكثر؟ أم أن هذا المجتمع لابد أن يمر بهذه المرحلة من الإنفتاح وانعدام الأخلاق والترفع عن كل سوي لكي يتم قبوله من المجتمعات الأخرى كما يصورون له! هل لابد للناس من أن يجربوا السيئ ليعرفوا قيمة الحسن؟ أم أن الأمر يحدث عن طريق الشوق واللهفة والإقبال على المعصية بلا أدنى محاسبة للنفس وليست مجرد تجربة؟

ربما لن ينشر هذا المقال لأنه لا يتعدى كونه فضفضة شخصية، وسأتقبل كامل أعذار المؤسسة العريقة التي لن تنشره، لكن الأمر يثقل كاهلي ويتعب قلبي وينغص عليّ أيامي، فالتفكر في الشكل الذي سيصبح عليه هذا المجتمع بعد عدة سنوات أمر منفر ومقلق.

فقد صار الناس يحرفون كل جميل ويسمون الأشياء بغير أسمائها، لا يعترفون بمكرمة ولا ينسبون الفضل لأهله، صار الخوف من الكاميرات أكثر من الخوف من الله تعالى، ولولا أن الحكومات أو الناس يراقبون بعضهم البعض ما ارتدع أحد.. اللهم إلا قلة قليلة نرى ما يفعلونه من خير فنتعجب.. صرنا نتعجب من فعل الخير ومن يفعله. وهذا أمر لافت عجيب. لأن الأولى أن نتعجب من الأفعال القبيحة الغير سوية كونها دخيلة علينا. أما أن نتعجب من أفعال الخير ونثني على أصحابها ونشكر الله على وجودهم فهذا دليل على ندرة ما فيه من جمال.

في عرف شباب اليوم الذين تفكر أن تنجب أطفالًا بينهم أو تتزوج منهم، أو تعاشرهم وتصبح صديقًا لهم وجزءًا منهم.

العلاقات المحرمة أصبحت صداقة.. احتضان الولد للبنت في الشارع أصبح معزة وتقديرًا، أبناء الحرام صاروا يسمون إنجاب خارج إطار الزواج.. من تحمل بلا زواج اسمها أم وحيدة.

في الدراما ومسلسلاتهم ستجد العاصي صاحب ضمير، والمغتصب حكيمًا، وشارب الخمر ابن ناس، واللص شهمًا مع الآخرين، لكنك لن تجد أبدًا صاحب دين إلا في زمرة الإرهاب.

ربما لأنهم لا يعرفون الفرق بين صاحب دين ومتدين.
«أصبحت الرشوة عمولة.
والبقشيش شاي ودخان.
الاستغلال انتهاز فرص
التنمر شقاوة واعجاب
والنصب فهلوة
والهزار السخيف محبة».

في مسلسلاتهم التي ينفقون عليها المليارات في رمضان، يقولون إن الانفاق بحجة تصوير الواقع أو جزءًا منه للناس، ولو أنهم صرفوا بعض هذا الإنفاق الضخم على الواقع نفسه لأصلحوه.. لكن الأمر كإخراج الزكاة، فرض على المسلمين وأكثرهم يمد يده ليل نهار في كل حدب وصوب.. ولو وصلت الزكاة فعلًا لمستحقيها ما وجدت من يأخذها، لكن الكل ينهل منها ما استطاع، مرة بعد مرة ويتناسى إن الذين يأكلون أموال اليتامى، وللفقراء والمساكين.. فربما يعتبر صاحب الدار أو الجمعية أو مؤسسها نفسه من المحتاجين لبعض الوقت ليأخذ ما يريد.

عند تزويج ابنتهم يرضون بالعاصي مُرددين: العاصي يهده الله، لكنهم أبدًا لا يمكن أن يقبلوا بالفقير لأنهم لا يؤمنون بأن الله هو الغني. يغني من أراد كما يهدي من يشاء، فهو تعالى الرزاق ذو القوة المتين.

فهل تغيير اسم الحالة التي عليها الفعل يغير الفعل نفسه أو يقلل من شناعته؟ الاجابة: مستحيل. وإنما هذا تحايل بالمسمى لا أكثر.

بعض الأمثلة التي توضح ذلك: لما بدأ النفسيون بتسمية الشخص القبيح بأنه هو الذي يحمل خصائص مظهرية حادة، في محاولة لنفي وجود كلمة قبيح، أصبح لزامًا عليهم أن يسموا الفتاة التي تعرضت للإغتصاب برافضة قبول التبرع بسائل الحياة.

يصدقون التافه الذي يغني ما هو أتفه منه عندما يقول اجتهدوا مثلي ولا تلومونني فيما أفعل.. ظنًا منهم أن هذا يمكن أن يساوي شخصًا كهذا بطبيب أو مهندس أو عامل زراعي أو في أي قطاع يسهر الليالي ويقطع الأشواط ليأكلها بالحلال.. يطمع هذا الكاذب أن يساوي نفسه بأي من الشرفاء ليضفي على ما يفعل صبغة الصلاح والحِلة، لكن هيهات!

فلا تلتفتوا لمثل ذلك من أقوال خبيثة، لأنه لا يمكن للحماقات أن تتساوى بالعلوم، وكل بفعله عليم.

لا أحد يحب الكلمات التي تخفي الحقيقة. بلا لا أحد يحب الحقيقة. الكل يشتكي من فرط القسوة، لكن البعض يعانون حقًا من إبهام الحقائق وتزييف الواقع والمصارحة بما في القلوب، لا يطيقون الأحاديث المنمقة، والكلمات المعسولة، والمجمل من المظاهر.. المخيف أن هذا الأمر يزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

ووالله لو تمعنت في كل ما ترى لوجدته متضادًا في كل أفعاله، متناقضًا في كل أقواله.. فبعضهم يكذب ظنًا منه بأن اللغة الصحيحة تكسبه الموقف، صحيح! لكن أن تصدق نفسك فيما تقول فهذا كذب وافتراء، يزداد الأمر سوءًا فتصدقه، تتماشى معه ولا ترفضه حتى تعهده، فيصبح عادة أساسية ثابتة ملتصقة لا تتبدل.

فأرجوكم وبكل ما في الكلمة من توصيف أن تراجعوا أنفسكم، وأن تصادقوا أولادكم، ذكروهم بالحلال والحرام والصحيح والخطأ. قوموهم بالجميل الذي فرضه الله علينا، وعرفوهم بأن هناك حرامًا.. تكلموا عن الله، ولا تقبلوا التغيير للأسوأ تماشيًا مع الموجة وطمعًا في أن يقبلكم الآخرون. فمن تماشى اليوم مع معصية لا يمكن أن يأمن على أبنائه في المستقبل.. سموا الأشياء بأسمائها، ولا تقبلوا أي خبيث مهما كان، عرفوا بالجميل ليعُّم، حاولوا أن تنجوا بأنفسكم من ذاك الانفجار القادم، الله نسأل أن يتمها علينا بستره الجميل، وأن يرفق بقلوبنا فيما لا طاقة لنا به.

دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد