الجزء الاول

جبل مرة ذلك الجبل الأسطوري الذي طالما حلِم برؤيته الكثير، وأسر الجميع بجمال مناظره، وطبيعته الساحرة، والأساطير التي تُحكى عنه، كانت سببًا كافيًا دفعني لاستكشافه، يتكون من سلسلة ممتدة من الجبال والقمم البركانية وينابيع المياه الساخنة والشلالات.

يقع الجبل في غرب السودان بإقليم دارفور، يبعد بمسافة تقدر بحوالي ألف كيلومتر من العاصمة الخرطوم ويبلغ أقصى ارتفاع له 3 آلاف متر عن مستوي سطح البحر مسجلًا بذلك ثاني أعلى قمة في السودان.

يعتبر جبل مرة من الجبال البركانية حيث توجد على قممه العديد من البحيرات البركانية والتي تكونت نتيجة لإمتلاء الفوهات البركانية الخامدة التي تكونت عبر ملايين السنين بمياه الأمطار مكونةً بذلك بحيرات تُسرِّب مياه الأمطار عبر الصخور البركانية مكونةً بدورها الكثير من الشلالات كشلال قَلُول ومَرتِجّلُو وسُونِي ونِيرتِتِي، يتمتع الجبل بمُناخ البحر الأبيض المتوسط المعتدل مع هطول الأمطار معظم أيام السنة كما ينفرد دوليًا بنباتات وأزهار لا تنمو إلا على سفوحه المُنحدرة كما توجد به نوادر الحيوانات البرية أبرزها حيوان التِقْدِم، وهو مزيج من الغزال البري والغنم الجبلي، بمميزات كهذه يعد جبل مرة الوجهة السياحية الأولى في السودان.

ابتدأت رحلتي نحو الجبل من العاصمة الخرطوم حيث تحرك بنا البص السياحي من السوق الشعبي في الرابعة صباحًا حيث سلكنا طريق الخرطوم النيل الأبيض كردفان دارفور لنصل أولى محطاتنا، وهي مدينة الفاشر التي دخلناها، والشمس تلملم أطرافها وتستأذن خالقها بالمغيب، وكانت الرحلة لتكون أقصر بكثير لو سلكنا طريق أمدرمان بارا دارفور دون المرور بالنيل الأبيض، ولكن نسبة للضرر الذي لحق به نتيجة غزارة الأمطار والسيول أضطررنا إلى سلوك الدرب الأطول، قبل أن تتوارى الشمس عن الأنظار كنا قد حجزنا مقاعدنا في السيارة التي ستقلنا لمحطتنا التالية: مدينة نيالا، حيث ركبنا سيارة دفع رباعي هذه المرة من نوع اللاندكروزر، والتي تعني قاهرة الأرض، وتُعرف محليًا هنا باسم البَفَلُو ووقع اختيارنا لهذا النوع من السيارات لوعورة بعض أجزاء الطريق الرابط بين الفاشر ومدينة نيالا ووجود الوديان التي تكون ممتلئة في موسم الخريف وإنعدام الكباري التي من المفترض أن تُنشأ عليها، وذلك لأن أعمال الإنشاء لم تكتمل علي هذا الطريق بعد، وصلنا محطتنا التالية مدينة نيالا في منتصف الليل، حيث توقفنا فيها قليلًا للراحة، وحضور عُرس لثنائي تربطنا بهم صلة قرابة.

بعد انقضاء أيام الراحة شددنا الرحال صوب محطتنا الأولى والأخيرة جبل مرة، تحركت بنا هذه المرة سيارة عادية صغيرة عند الظهيرة متجهين غربًا صوب الجبل حيث تفصلنا فقط 149 كيلو مترًا عن شلالات نيرتتي ذائعة الصيت، مرورًا بمناطق  بِليل وكاس وطُور سلكنا الطريق المسفلت نحو جبل مرة ومن هنا تبدأ بركات الجبل تَهِل عليك فما أن ابتعدنا قليلًا عن مدينة كاس واقتربنا من طور أولى مناطق الجبل حتى بدأ المُناخ بالتغير زخات من رزاز المطر تنزل عليك تيارات هوائية باردة تُغازلك روائح متنوعة من عبق الأزهار تحملها الرياح إليك وشعور بالراحة يَسرِي في جسدك علامات السرور تبدو واضحة على مُحيّاك موجة من الضحك الهستيري تُسيطر عليك دون سبب تشعر، وكأن هناك من عبث بإعدادات ضبط المصنع لديك، والآن وقبل حتى أن تطأ بقدميك أرض جبل مرة تشعر لأول مرة أنك أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد