«الشعب التونسي، الأكثر أصالةً بين شعوب الأمّة العربيّة الإسلاميّة، حادّ الذكاء، جِدّ نشط، من الرقّة والتهذيب بمكان، طيّب وخيّر، كريم وشهم (،.) إنّ البوتقة التونسيّة حيث صُهر هذا الشعب جعلت منه أمّة بمعنى الكلمة، ذات وحدةٍ مثلى على جميع الأصعدة،.». هكذا رأى السياسيّ الجزائري أحمد توفيق المدني الشعب التونسيّ وقد وُلد وكبر في العاصمة خلال الربع الأوّل من القرن العشرين وكان بين مؤسّسي الحزب الدستوري، قبل تبعده فرنسا إلى الجزائر في 1925.

هذه النظرة على طوباويتها مُحبّبة عندي ألتمس فيها أروع ما في هذا الشعب الذي يحافظ على تماسكه رغم أنّ معاناته مستمرّة منذ قرون، لقد كان محلّ استقطاب وفتن صراعات الساسة، فانقسم في صراع الأخوين المرادييّْن محمّد باي وعلي باي، ثمّ صار حسينّيا وباشيًا في حرب أهليّة بين الحسين بن علي مؤسس الدولة الحسينيّة وابن أخيه علي باشا، ثمّ دستوريّا ودستوريًّا جديدًا بعد انشقاق بورقيبة، ثمّ بورقيبيا ويوسفيًا، ثمّ إجمالًا محافظًا و«حداثيًا»، والمذكورون أخيرًا فئة قليلة لكنّها تمسك بدواليب الدولة التي استمرّت بعد الاستقلال استبداديّة زبونيّة، تهتصر الموطن البسيط.

رغم كلّ هذا حافظت البلاد على وحدتها الجغرافيّة طوال قرون، وبقي هذا الشعب على تماسكه، وعرف الاعتزاز بالانتماء والوحدة أهمّ فتراته زمن المنصف باي والحركة المنصفيّة (الأربعينات) حتّى قال المقيم العام جون مونس «شاهدتُ في ذلك اليوم شعبًا (تونسيًا) يولد» (يقصد يوم جنازة المنصف باي). تلك الفترة أدّت إلى المقاومة المسلّحة ضدّ المحتلّ الفرنسيّ الذي فشلت محاولاته لتغييب الشعب وإفساده بعد أن أفشى الخمر والحشيش والدعارة في البلد، وإن كانت هذه الآفات حاضرة في تونس منذ أمد بعيد يزداد انتشارها وقت الانحطاط، وتجد ذكرها في كتب التاريخ والرحلات.

ثم كانت الانتكاسة باتفاقيّة الاستقلال المنقوص والحرب الأهليّة البورقيبيّة اليوسفيّة. وتزوير انتخابات المجلس التأسيسي ليكفل للحبيب بورقيبة وجماعته الاستبداد بالسلطة. خيبةٌ جعلت طباعًا قبيحة تعاود البروز، عرّج عليها مجلس الوزراء في ماي 1956 إذ لاحظ أن “التفسّخ الأخلاقي والانحلال في الآداب العامّة قد ساد البلاد منذ عدّة شهور وتفاقم بوجه خاصّ في المدن، واتخذ أشكالًا عديدة منها سوء السلوك في الشوارع والسكر العلني وسهولة الالتجاء إلى الكلام البذيء والسباب والمضايقة الشفويّة للنساء في الشوارع والفتيات عند خروجهنّ من المدارس،.

هذه المظاهر لحظتُ تفشّيها كذلك بعد ثورة 2011، بعد عدّة أشهر، حيث زالت «السذاجة الثوريّة» وحضرت الخيبة لعدم تغيّر الوضع، لا أغيّب هنا أنّ أيّام الثورة والانفلات الأمني عرفت نهبًا للمحلّات التجاريّة يندى له الجبين، لكن أيّامًا بعدها، بعد انحياز الجيش إلى صفّ الشعب، تنامى الشعور بالاعتزاز، والتآزر لحماية المناطق السكنيّة، حضرت الابتسامة والأمل، ذلك لم يدم طويلًا، إذ عادت المنظومة القديمة ترتيب أوراقها، وراهنت على مجدّدًا اليأس والتغييب.

تتالت النكبات وتبدّت الطباع القبيحة، لكنها برأيي لا تعبّر أبدًا عن تماسك هذا الشعب وحقيقة معدنه الذي أراه كما وصفه المدني. ويحتاج الشعب صعود نخبة تؤمن به وتعمل على صقله، غير النخبة الموجودة التي تراهن على أسوأ ما فيه وتعمل على تعزيزه.

ربّما من هنا دفع المعدن الأصيل لهذا الشعب للالتفاف حول قيس سعيّد، الذي اكتسب الاحترام والثّقة بنزاهته وأنفته وحياده وتماهيه مع تطلّعات الشعب واحترام هويّته. أدرك الشعب أنّ جانبًا من التغيير يمكن أن يكون بيده عبر الوسائل الديمقراطيّة، لهذا أبدع ظاهرةً فريدة من نوعها، حيث قام بحملة انتخابيّة لصالح قيس سعيّد. نظّم وموّل الحملة بموارد ذاتيّة رائمًا التحرّر من الوصاية القسرية للمنظومة الفاسدة، وقد انبرت جموع غفيرة من التونسيين طوعًا لدعم سعيّد بشتّى السبل المتاحة. مارس الشعب الديمقراطيّة بقدر من الانضباط لا تجد عشر معشاره عند أبناء المنظومة الفاسدة. ونجح في الصعود بقيس سعيّد إلى منصب رئاسة الجمهوريّة، حيث حقق انتصارًا كاسحًا على منافسه ابن المنظومة الموصوم بالفساد والعمالة.

كان فوزًا أخلاقيًا بامتياز. بإرادة الشعب، صعد قيس سعيّد المفعم قيمًا، الملهم بها، والباثّ لها، ليرتقي بالحسّ الوطنيّ لدى التونسيين، بالاعتزاز بالانتماء، بالمواطنة، لإعادة الأمل والثقة في إمكانيّة بناء مستقبل أفضل لتونس، وهو الطامح إلى جعل التونسيّ مواطنًا بالفعل، حيث يقول: «القضيّة، كيف يصير التونسيّ مواطنًا بالفعل، ليس مواطنًا يوم الانتخابات فقط ولكن مواطنًا كلّ يوم، هو الذي يختار وهو الذي يراقب، ويمكن أن نضع حدًّا هنا للفساد».

لا يسعك إلّا أن تلمس البهجة والأمل والفخر على ملامح التونسيّين وفي تصرّفاتهم، فقد شهدت جهات عديدة من البلاد تنظيم المواطنين حملات نظافة.  عادت شعارات الثورة إلى الشارع، كما صارت أقوال سعيّد متداولة. بل يمكن أن يقال عنه في هذه الأيام أنّه «ملأ الدنيا وشغل الناس». لكنّ هذه المظاهر الإيجابيّة قد تنتكس مجدّدًا، ولن تتواصل إلّا بالمضيّ قدمًا في افتتاك المواقع المؤثّرة من نخبة المنظومة الفاسدة في جلّ المجالات. ذلك فقط ما سيكفل مزيد صقل معدن هذا الشعب وإخراج أفضل ما فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد