حين هربت من حصة التربية المدنية، تاركة خلفي أستاذي وهو يكرر القول بصوت خافت خوفًا من أذن مكتب المدير التجمعي آنذاك˸ «لا يمكن تغيير الواقع إلا بثورة شعبية حارقة لكل جذور نظام ابن علي وتغييره، ودون الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية…»، وغادرت المعهد للالتحاق بكوكبة من أصدقائي وأبناء مدينتي للمشاركة في أولى حلقات «محلى القعدة على المية» وسط الشارع الرئيس الذي يقطعها إلى نصفين، نصف يميل إلى الشمال وينتظر حلم العاصمة في بناء مستقبل يليق بثمن عذابات المنسيين في دهاليز مبنى وزارة الداخلية، وصحراء رجيم معتوق، ونصف لم يرفع بصر عينه عن خراطيش الرصاص الفارغة والملقاة على حافتي الطريق وهي تلطم سوء حظ مَن أصابتهم في قلوبهم وبطونهم وسيقانهم، لم أكن أعلم أن ما عشته من سحر اللحظة وقوتها وتاريخيتها ووحدتها ليس إلا شارة البداية لحالة من عدم الاستقرار والفوضى، التي قد طالت دون أن تحمل بين طياتها أملًا في التقدم والتطور نحو القطب الموجب.

مرت تسع سنوات ونيف ارتدت فيها الحياة السياسية في تونس مائة وجه لقناع واحد؛ هذه الوجوه نعرفها في قليل من الأحيان، ولا ندركها في كثير منها، تبدو أنها في الدلالة والمعنى تشبه ما نحمله من آراء وتوجهات ولكنها في الآن ذاته غريبة عنا، تبحر بغير خطى مراكبنا في المسير.

قناع الاستثناء التونسي

في الخامس والعشرين من يوليو (تموز) 2020م، مرت الذكرى السنوية الأولى لوفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، الذي وافته المنية قبل انتهاء عهدته الرئاسية. نجحت تونس في تأمين انتقال سلس للسلطة، وصِف بأهم مؤشر على مدى نجاح التجربة الديمقراطية من بعد الثورة، خلافا لِمَا عرفته بقية الأقطار العربية التي شهدت امتدادًا لموجة الربيع العربي محاولات مماثلة للانتفاضة التونسية، لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحات حروب دامية ومسرح لتصارع قطبي النزاع التاريخي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهم، ولتصفية حساباتهم على الأراضي العربية؛ خاصة السورية والليبية واليمنية.

وأما الحالة المصرية فبرغم أنها استطاعت القفز وتجاوز سيناريو الحرب والمواجهة العسكرية المباشرة، فإن حالة ديمقراطية العرائس التي تعيشها الآن ليست إلا نتيجة انقلاب عسكري قاده وزير الدفاع المصري السابق عبد الفتاح السيسي. وهنا لا يمكن بأي عقل أن نقيم تطور التحول الديمقراطي خارج خانة ديكتاتورية الحكم العسكري.

قبل الثورة، استطاعت تونس أن تكون أرضًا خصبة لتبني نظرية الحداثة السياسية، لعالم الاجتماع الأمريكي «سيمور مارتن ليبست»؛ والتي تقضي بضرورة وجود شروط مسبقة لحقيقة التحول الديمقراطي الناجح، ولعل من أهمها وجود طبقة وسطى واسعة ذات مستوى تعليمي متقدم، وأيضًا وجود درجة نمو اقتصادي تدعم هذه الطبقة فتحول تركيزها من المطالبة بالحاجيات المعيشية اليومية إلى المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

في السياق ذاته، يمكن للمدقق في بيانات أهل الاقتصاد وأرقامهم أن يرى التقارب حد التطابق بين أرقام النمو الاقتصادي التونسي سنة 2010م، وما عرفته كوريا الجنوبية من إحصائيات سنة 1960م، السنة التي شهدت ثورة الطلبة أو ما عرف بثورة أبريل والتي قادها العمال والطلبة لإطاحة نظام الرئيس الكوري «سينغمان لي» وانتهت باستقالته من مهامه.

هذه الأرض الخصبة لم تتوفر لدى بقية البلدان العربية، وهو ما مهد لمستشرفي عالم السياسة ودارسي مبادئ وشروط التحول الديمقراطي في المنطقة العربية إلى التكهن بفشل أغلب محاولاتها في تغيير الأنظمة السياسة التي تحكمها، رغم أنها تتشارك وتونس (خاصة في السنوات الأخيرة لنظام ابن علي) في أهم صفات تسلط الأنظمة الحاكمة وهي «الهيمنة» حسب توصيف أستاذ شؤون الحكم في جامعة هارفارد الأمريكية «ستيفن ليفتسكي».

تتخذ الهيمنة أشكالًا عديدة، كأن تسمح بوجود حد أدنى من التعددية الحزبية والتنافسية في الانتخابات، كما تعمل على خلق مساحة لحرية النقد والتعبير من خلال تعدد وسائل الإعلام، أي إن إدارتها للشأن السياسي تقوم في ظاهرها على الترويج لصورة الحياة السياسية الديمقراطية شكلًا لكن باعتماد «ميكانيزم» داخلي يدور في فلك النظام وسلطته، ولا يعاديه.

نجاح تونس الذي مثل نقطة الاستثناء في المنطقة لم يأتي من قدرتها فقط على المحافظة على مدنية الدولة وسلميتها، وعدم انخراطها في المشهد العربي الدامي، بل من خلال سيرورة أحداث ومحطات حاسمة خلال مرحلة البناء.

انتخابات تأسيسية، فدستور ثوري ضَمن في فصوله تأكيد الحقوق الأساسية لجميع التونسيين دون تمييز، أربع شخصيات تداولت على قصر قرطاج، وتسع شخصيات على رئاسة قصر الحكومة بالقصبة، ومجلسان نيابيان، تغليب مصلحة الوطن العليا في أشد لحظات المسار الديمقراطي هشاشة، وتغليب لغة الحوار بين الفرقاء السياسيين ـ رغم عمق الاختلاف ـ في ما سمي بمربع العنف في الفترة ما بين2012 و2015،  هذا الحوار السلمي التوافقي ساهم في حصول الرباعي الراعي له على جائزة نوبل للسلام.

وجه الفشل السياسي

رغم كل النجاحات التي حققتها تونس في مسارها لبناء جمهورية العدل والقانون، هي في واقع الأمر ما زالت تعاني من فشل سياسي ذريع في إدارة شؤون البلاد والعباد، فالثماني حكومات التي مرت ليست إلا الدليل الحي على عمق الأزمة السياسية وحالة عدم الاستقرار التي يمكن اعتبار أن مردها الأساسي هو طبيعة نظام الحكم.

نظام برلماني بصلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية، أو يمكن اختزاله في نظام «التوافق» أو نظام «الشراكة بين السلطة التنفيذية والتشريعية» أو نظام «حكم الكل مع الكل» أو نظام «الكل في الحكم ولا أحد في المعارضة»، وقد تشرق شمس صباح الغد وأنا أعدد تسميات هذا النظام الهجين ذي النتائج الكارثية الواحدة الجلية.

للأمانة، قد يكون هذا النظام قد حقق نجاحًا في عديد من البلدان، لكن خصوصية الجغرافيا السياسية في تونس وتفرد تجربتها قد قضت بفشله.

من ملامح هذا الفشل المعظم والمقدس؛ إذ يعمل كل من ساعده عامل جهل شريحة كبرى ممن منحهم قانون الانتخاب حق التصويت على الوصول إلى كرسي الحكم، على تكراره في شكل تعهد سياسي واتفاق شرف فيما بينهم على عدم خرقه، تضخم كتلة القوى الحاكمة مقابل ضمور غريب لكتلة المعارضة التاريخية الجدية، حتى خروجها المهين من سباق الرئاسية والتشريعية. كما ساهمت حكومة الائتلاف العلماني الإسلامي (الباجي قائد السبسي- راشد الغنوشي) في الفترة من 2015 و2019 في مزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي.

كل المؤشرات التي تعمل الحكومات على تلطيفها بسياسات ذر الرماد على العيون آخرها التصويت على قانون الانتداب لمن طالت بطالتهم أكثر من 10 سنوات بعنوان التصويت لأجل تكميم الأفواه الغاضبة دون العمل على إيجاد حل جذري لهذا المشكل (السياسة نفسها المتبعة في العديد من القضايا والملفات الأخرى) تؤكد حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس حيث يستمر الاقتصاد في الركود، فالنمو الاقتصادي يكافح اليوم من أجل الوصول إلى 2%. والبطالة ما تزال عند حدود 16%، والتضخم قد تضاعف إلى 7.4%.

أما في الجانب الأمني، فقد تميزت تلك الفترة وما بعدها بعودة سوء استخدام القوة من قبل قوات الأمن إلى الظهور، حيث قدرت هيئات مراقبة حقوق الإنسان وقوع أكثر من 100 حالة تعذيب كل عام منذ سنة 2015. كما ظهرت هذه المبالغة في استخدام القوة في العديد من التحركات الاحتجاجية على غرار حملة «مانيش مسامح» اعتصام «الكامور 1 و2» اعتصام «أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل» وغيرها.

سنة2018، أفاد التقرير السنوى لمنظمة العفو الدولية الخاص بالدول المغاربية وفي الجانب الذي يهم تونس منه، بأن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة للمحتجزين في تونس استمر وكان يمارس في أغلب الحالات خلال القبض والاحتجاز السابق لتوجيه الاتهام. كما أشار التقرير إلى أن الأغلبية العظمى من الشكايات التي قدمها المحامون لم تصل إلى مرحلة المحاكمة. وأكد أيضًا على أن الشرطة وغيرها من قوات الأمن استخدمت القوة المفرطة عند حفظ النظام خلال الاحتجاجات والفعاليات الرياضية.

في تلك الفترة، لم تجد حركة النهضة الحزب الثاني في الانتخابات التشريعية 2014، من خيار للاستمرار سوى الرضوخ لطلبات حزب نداء تونس ـ قبل الانشقاق والذي جاء نتيجة مباشرة للتحالف المخالف لـ«قوانين الطبيعة» ـ لأجل التوافق الذي تَكوَّن على حساب العديد من القضايا الكبري كالعدالة الانتقالية، وإصلاح قطاع الأمن والتعليم والصحة، ولم تستطع اتخاذ إجراءات جريئة بشأن الاقتصاد أو تشكيل المحكمة الدستورية.

توجه حركة النهضة الدائم منذ الثورة إلى البحث عن التوافق، كل مرة حسب مصالحها في البقاء ضمن الأحزاب الحاكمة، ترجم ـ دون حساب قضية الجهاز السري المتورط في قضيتيْ الاغتيال وعن نواياها الحقيقية في التهرب من المساءلة القضائية ـ إلى خوف من المواجهة تحت غطاء المعارضة ومن التعرض للقمع والرفض العام الشعبي والسياسي الذي قد يصل إلى فرضية الحل. وجود هذا الخوف معطىً في المشهد يعني حقيقة أن الديمقراطية التي لا تضمن الحرية في قيادة المعارضة وتغرس شعور الخوف والتردد من المواجهة هي، وإن كرهنا، ديمقراطية مبنية على أرض هشة.

إن من أدبيات الديمقراطيات الحديثة والناشئة أن تميل نحو المضي في طريق التوافق  خاصة لحظة الوقوف عند عتبة التأسيس وسن القواعد الدستورية. وهذا ما حصل فعلًا في تونس في الفترة من 2011 حتى 2014 حين اختارت حركة النهضة ـ الأولى تشريعيًّا ـ تشكيل حكومة الترويكا بضم حزبين هما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.

رغم أن التحالف فقط مع حزب المؤتمر كان كفيلًا بتحقيق الـ 109 مقاعد المرجوة لأجل ضمان الأغلبية في المجلس لكن الرغبة في السيطرة عل أكثر ما يمكن منه، جاءت بتشكيل تلك الحكومة وبنسبة تقدر بـ64% من كل المجلس.

لتُكرر التجربة بعد انتخابات 2014م لعدة أسباب أهمها سهولة إقناع التونسيين بضرورة قبول إجراءات التقشف، والعمل على إيجاد عارضة شعبية تقف بالمرصاد لمحاولات اتحاد الشغل الوقوف ضد هذه الإصلاحات، والأهم إيجاد فرصة للتهرب من تحمل المسؤولية، وتجنب بأقصى ما يمكن اللوم عن الفشل الذي رافق كل تلك الحكومات من خلال الاختباء خلف الطرف الآخر للتوافق، وقذف الكرة في ملعبه وتحميله مسؤولية تدهور الوضع العام للبلاد.

وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار وجود التوافق والعمل على خلقه قاربَ نجاة وهدفًا أساسيًّا لكل العملية السياسية مؤشرًا على عدم ترسيخ الديمقراطية المنشودة وفق معاييرها العالمية لا المحلية.

الآن ونحن على مشارف تكوين حكومة جديدة، حان الوقت أن تمر الديمقراطية التونسية من حال التوافق إلى التنافس الذي هو  جوهر الديمقراطية الحقيقية، رغم أن تركيبة المشهد الحالي حسب مؤشرات «بارومتر» الضغط السياسي لا تدفع نحو هذه الإلزامية. وإن صدق منطق التحليل سنجد أنفسنا بعد أسبوعين من الآن أمام حكومة توافق تضاف إلى سلة التوافقات الماضية، ذلك أننا ومنذ الثورة نسيِّر الشأن السياسي على أنغام رائعة ذكرى محمد «الأسامي هي هي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد