المسيانية هو مصطلح أطلقه أحدهم على عقيدة المخلص المنتظر في الديانات السماوية الثلاث والديانات الوثنية الأرضية وتعني أن شخصًا منتظرًا سيحل مشاكل أتباعه العالقة منذ قرون، بمجرد قدومه ونزوله إلى واقع الأرض الملأى بالظلم والجور، وهنا يسجل المرء مخالفته لهذا التعميم، حيث لا يمكن القياس بصورة عقلية مطلقة في مسألة إيمانية عقدية لدى كثير من اتباع الديانات وعلى رأسها الإسلام، إذ إن المهدي المنتظر يعتبر من العقيدة بمكان، فلا يمكن المشي على خطى من أطلق مصطلح المسيانية واعتبار الأمر ترحيلًا للأزمات للمستقبل.

بعد التقديم السابق نحط الرحال في الواقع الذي نحياه، وتحديدًا بعد انتصار مرابطي القدس على المحتل الغاشم، وكما العادة، فإن الانتصار له آباء عدة لا يحصون كثرة، على عكس الفشل اليتيم، الذي يلصق بأضعف كيان لا يمكنه الذود عن نفسه، ولقد كشفت المواجهة على أبواب المسجد الأقصى عدة أمور وأفكار لا بد من الوقوف معها، وإن باقتضاب.

أولًا: أثبت المرابطون أن التعويل على مخلص يأتي من الخارج، أو ينبثق من الصف الداخلي، هو عبارة عن ترحيل للأزمة، وتخدير للضمائر، ذلك أن الوقوف في وجه الظلم والعسف يثمر مباشرة، وإن كان البعض يرى بقياساته المادية أن الخسائر يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار، وهذا نحيله إلى القاعدة التي تقول إن ما تقدمه لنيل الحقوق وأنت عزيز لا يذكر مع ضريبة الصمت والذل إن رفضت المواجهة، وكذلك من المهم تاريخيًا أن نذكر أن صلاح الدين لم يكن وحده من فتح بيت المقدس، بل هناك من قدم لنصره المؤزر من العلماء والمجاهدين والقادة الذين أسسوا لفتحه العظيم كزنكي، لكن اشتهر السلطان الفاتح؛ لأنه من قام فعليًا بفتح بيت المقدس ودخولها؛ مما جعل التركيز التاريخي ينهال عليه، وأصبح غيره مع عظيم فعله جنودًا مجهولين وراء الكوليس إلا لعارف بالتاريخ.

والمطلوب بعد الانتصار الذي حدث أن نستثمر هذه اللحظة التاريخية المفصلية ونجعل التغيير في مكانه الصحيح، والذي يكمن في إرادة التغيير نفسها لدى الشعوب لا غير، ومن ثم يأتي في الاعتبار شخص أو مجموعة أو كيان يكمل المسيرة حتى التغيير العام والشامل، وكذلك نشر وعي تاريخي يجعل المسألة واضحة للعيان تقول بوضوح إن صلاح الدين أو من يخلفه لن يأتيك فارسًا مدججًا إن لم تأخذ بالأسباب وتعد العدة لقدومه، وتكن أنت في نفسك صالحًا ومصلحًا.

ثانيًا: دار نقاش على صفحات الكثيرين حول إمكانية أن تقوم الجيوش العربية أو الإسلامية بحل شيفرة الاحتلال وإنهائه وإقامة نواة الدولة الإسلامية التي أذن فجرها بالانبلاج، ومع الاحترام للرأي القائل بذلك، وكون أصل الطلب صحيحًا فقهًا، إلا أن هذا الرأي فاقد للواقعية الآن، ذلك أن الجيوش المطلوب منها النفير والتغيير أو من جزء صالح منها تمت صناعتها لحماية الأنظمة، وهذا كلام قاله القطب الشهيد قبل قرابة النصف قرن وصدقت نبوءته فيهم، وكأنه كان يرى ببصيرته لا بصره، ولقد أثبت الأيام أن الجيوش العربية ليست إلا دمى تغدق عليها أمريكا بالمعونات وتمسح عقيدتها الأساس؛ ليحل محلها العقلية الأمنية الخاصة بالمرتزقة، كما ورد في كتاب عقيدة الصدمة لنعومي كلاين، وهذا لمسناه جيدًا في أرض الكنانة وفي سوريا وفي العراق وفي كل بلد تعبث به يد أمريكا، لذلك يجب النظر جيدًا في هذا الطلب؛ لأن الجيوش التي تدربها أمريكا، وتطعمها أمريكا، وتدربها أمريكا، لا يمكن أن تهاجم ربيية أمريكا في المنطقة.

ثالثًا:ظهر نوع جديد من التصهين العربي الذي طال جزءًا هامًا من الشارع العربي فقط، وهو حصر قضية فلسطين، وبيت المقدس في دول مثل قطر وتركيا، وحركات مقاومة مثل حماس، وهذا يرجع إلى انعدام الوعي لدى هذا الجزء من الشعب العربي، وأخذه عن قادته وطغاته، كأنه يروي عن صحابة مقربين وعلاج هؤلاء هو زيادة الجهد لتوعية المسلمين في شتى أصقاع الأرض أن قضيتهم الأم هي قضية فلسطين، وأن الأقصى لهم جميعًا على اختلاف مشاربهم وآرائهم، وإلا ستجد منهم من يحمل سلاحًا ليدافع عن المحتل ذلك أن إعلام بلده يصور الضحية في مكان الجلاد الغاشم المحتل، ولعمرك إن هذا عجيب في القياس بديع.

رابعًا:لا يمكن إغفال ما صرح به كهنوت الأنظمة من فتاوى وآراء ملفقة على أنه فقه ومعرفة وفهم عميق، ولكن يكفي هؤلاء أن البوابات الكاشفة للمعادن كشفت أنهم سيوف من خشب وآلات تفريخ فتاوى حسب رغبة الحاكم ومؤسساته الآمنية والبوليسية.

ختامًا لقد أزال انتصار المرابطين الغشاء الهش الذي يغطي عورة المحتل وأترابه، وتبين أنه لا يمكن الجزم ألبتة حول قدرة شعب في مكان ما حسبما يقول المحللون على مختلف ألوانهم، وهنا نسجل مرة ثانية أن الشارع الواعي بقضيته قادر على تحقيق ما لا يتوقعه أحد وإن بخسه البعض حقه والله غالب على أمره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد