حسب تعريف ويكيبيديا، الهستيريا مرض نفسي تظهر فيه اضطرابات انفعالية مع خلل في أعصاب الحس والحركة، من أسبابها الصراع بين الغرائز والمعايير الاجتماعية، والإحباط وخيبة الأمل في تحقيق هدف أو مطلب، والفشل والإخفاق في الحب، والزواج غير المرغوب فيه، والزواج غير السعيد، والغيرة، والحرمان ونقص العطف، والانتباه وعدم الأمان، والأنانية والتمركز حول الذات، وعدم القدرة على رسم خط الحياة.

 

الهستيريا إذن اسم على مسمى للفيلم المصري هستيريا الذي يحكي واقع مجموعة من الشخصيات تتعامل مع الحياة الصعبة، كل منها بطريقتها، لنشاهد مجموعة من المشاعر الإنسانية الصادقة بين حب وكره، وتضحية وعنف، وخوف وأمل وخيبات متتالية، ولكن الجميع يشترك في الوجع نفسه، وجع الحياة.

وداد هي الشخصية التي لعبتها الفنانة عبلة كامل، وهو من أجمل أدوار عبلة كامل في رأيي، هي فتاة من طبقة اجتماعية فقيرة، تعيش مع أختها زينات بعد وفاة والديها، تعمل في محل لبيع العصافير، وهكذا من الممكن أن نختصر الحديث عن وداد، لكن وداد إنسانة لا تُختَصر في الأسطر السابقة أبدًا.

 

«عايزاك تشوفني حلوة وكده»

زين لم يلحظ وداد أبدًا حتى افتعلت موقفًا تدّعي فيه أنها زوجته، وأنه تركها هي وطفلتهما من دون أكل أو نقود، والدافع كان تخليص زين من الشرطة في مترو الأنفاق، الذين يرونه متسوّلًا بغنائه، في الوقت الذي يفعل هو ذلك من دون مقابل إلا إسعاد الناس، وإشباع حبه للغناء.

 

وداد «ست جدعة» لكن لم يلحظها زين من قبل، في الوقت الذي كانت هي تذهب إلى مترو الأنفاق من أجله، لكنه لم ينتبه لوجودها أبدًا، ليس وحده، فالحياة كلها لا تنتبه لوجود وداد من الأصل، من ينتبه لوجود أنثى بملامح عادية، تعمل في وظيفة عادية، وداد ربما مرت من جانبنا يومًا ما من دون أن نميز بينها وبين الفراغ الذي يشغله جسدها، لكن روح وداد هي الموضوع، الروح التي تطير من فرط البساطة والنقاء، وداد التي لا تعتنق دين فتيات كثيرات، الذي مذهبه أن «التقل صنعة».

 

وداد تعرف بفطرتها البكر أن التقل ليس صنعة، لكنه كذب ولف ودوران، ولكن المجتمع الذي يحب الدوائر ويكره الخط المستقيم، لا يرضى عن وداد التي تحب رجلًا فتذهب إليه بكل بساطة وتخبره حين يسألها «إنتِ مين وعايزة إيه!»، قائلة: «أنا وداد وعايزاك تشوفني حلوة وكده»، المجتمع الذي يعلن الكراهية بمنتهى الفخر ويكتم الحب ويصل إليه باللف والدوران، يكره وداد ويعتبرها مجنونة.

 

«أنا مش مجنونة يا أختي، إنتم اللي بتغيظوني»

 

وداد تؤكد أكثر من مرة خلال الفيلم أنها ليست مجنونة، التهمة التي نلصقها بالكبار حين يتعاملون بمنطق طفولي فارغ من حسابات الكبار، يتهمها عشيق أختها بالجنان، فتتصرف كطفل غاضب لا يفهمه من حوله ولا يقدرون مشاعره الرقيقة جدًا، فتلقي ملابس عشيق شقيقتها في بير السلم لزوجته، وسط تجمع سكان العمارة، ترى أختها الفضيحة في الموضوع، ولا ترى روح وداد التي لا تشارك في جرائمهم اليومية من خداع وغش وفعل كل شيء في الغرف المظلمة التي لا تصلها عيون الناس التي تدين وتصدر الأحكام.

 

«أصْل أنا عمري ما اتمنيت حاجة واتحققت»

الحياة بخيلة إلى درجة الشح مع بعض البشر، وداد واحدة من هؤلاء المختارين، هؤلاء أصحاب الأمنيات البسيطة التي لا يحصلون عليها أبدًا، تطلب من زين أن يحبها وتقول: «مفيهاش حاجة يعني، أصل أنا عمري ما اتمنيت حاجة واتحققت»، لكن قلب زين متعلق بفوزية بنت العز التي أحلامها أوامر، كأن فوزية خُلِقَت فقط لتأخذ كل نصيب وداد من الأمنيات والفرح، فوزية الفتاة المدللة التي تتزوج وتطلق من دون حب، كأنها تلعب لعبة تكسر بها ملل الحياة الكاملة.

 

تذهب إلى زين مع كل استراحة بين زواج وطلاق لتطمئن أنه ما زال داخل دائرة أملاكها، أما وداد التي تتجرع الظلم على الريق كل صباح يوم جديد، لم تفعل شيئًا ضد إرادتها ولم تخدع أحدًا، في حديث لوداد مع عم سعيد العامل في محل العصافير، تقول: «أنا اتخطبت يجي 11 مرة، بس محبتش ولا واحد فيهم، تعرف يا عم سعيد أنا ممكن لا أكل و لا أشرب ولا أنام، بس الراجل اللي أحبه يطبطب عليا، ويقولي سلامة رجلك من الوقفة يا وداد»، صحيح أن فوزية أخذت كل الأمنيات لكن وداد احتفظت باحترام النفس.

 

«ذنبي في رقبتكم كلكم يا اللي ماشيين في ميدان التحرير»

محل بيع العصافير الذي تعمل فيه وداد على شكل قفص عصافير كبير، محبوسة داخله وداد كما العصافير داخل أقفاصها، لكن وداد محبوسة بإرادتها بعد أن تركت بيت شقيقتها التي فضلت راحة زوجها الجديد على راحة وداد، يقفل عليها عم سعيد أبواب المحل ليلًا ويذهب، حتى الفرحة حين أتتها مع زيارة زين لها، فصل الزجاج والقضبان بينها وبين فرحتها بلمسة اليد وقبلتهما الأولى، حين فهم زين أن اللي متربي على العز ياربي بيعمل كده في الناس، ذهب إلى وداد راغبًا في إعطاء نفسه فرصة ليراها بعين المحب.

 

وداد تظهر في مشهد أخير، وسط جمع من الناس في مترو الأنفاق، وجهها يحمل وجعًا أكثر من أي مشهد سابق، بعد أن ذهبت إلى بيت الحبيب تشاركه فرحته بزواج أخته، فتتعرض لمحاولة اغتصاب من شقيق زين الذي قرّر أن يفرغ وجعه الخاص في قلب وداد، ليزيدها وجعًا على وجع، يلحق بها زين ويقفل باب المترو من دون أن يتحادثا، تنظر وداد إلى الحبيب فتبتسم وتبكي وترسم قلبًا على الزجاج وتذهب.

 

وداد ذهبت بذنبها الذي في رقبة الجميع، الذنب الذي جعلتنا شهودًا على أنفسنا في مشاركتنا به بشكل من الأشكال في مشهد سابق، بصوت عالٍ في ميدان التحرير قائلة: «أنا بحبك وبحلم بيك يا زين، ذنبي في رقبتك بقى، ذنبي في رقبة أبويا وأمي اللي ماتوا وسابوني في رقبة زينات أختي، ذنبي في رقبتكم كلكم يا اللي ماشيين في ميدان التحرير».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد