وسط هذه الأسمال البالية من ضروب التفكير السائد، وفي ظل نظام لولب الإنتاج والاستهلاك المنمط، تَدُك ثقافة الفولاذ، أرض موزي -ربة الغناء الحسناء-، بفيلق من جرارات الجهل، وتسقط عليها، بمعاول التقانة دون هوادة ولا رأفة، فتستقوي على رهافة حسها بمسحة ماكرة، رسمتها ابتسامة الرَّفْش وقهقهات المجراف. وعليه صار الدفاع عن بسيطة الجمال، واجب عين «مُندّغمة» مع الكون، وأذن مترنمة بأنغام الطبيعة، ولسان ذاق ملح وجدانه على أطباق الفن، ضد طيش الإنسان المهدور، المُقيد بحبال الخرافة على كراسي الماضي، وضد تعالي ضربات الأداة في مقتل العقل. بات من الضروري الآن، في عصر الخرسانة، الفرار نحو الجماليات كترياق مضاد للمعوقين روحيًّا، ومهرب إنقاد من الدولار، ومعبر طوارئ لسيارة إسعاف الأوغاد، من مأزق الخشونة والبلادة نحو مستوصف الجمالي «Aesthetic». 

فالجمال سُؤال ناقشه العديد من الفلاسفة على مر التاريخ، من بينهم الفيلسوف سقراط، كما تروي قصته لنا «كورا ميسن» في كتابها (سقراط: الرجل الذي جرؤ على السؤال ترجمة محمود محمود)، بينما كان يتجول وسط مدينة آثينا في ساحة الأكروبول مع صديقه أقريطون، إذ شد انتباهه حرفي للفخار، فتوقف أمام دكانه، ليشهد لحظة ولادة وتشكل إناء من صلصال، بطريقة عجيبة «لا تذهل السُكارى»، على يد الفنان «ماوس»، فلم يستطع سقراط ترويض المارد الذي يسكنه وكبح جن السؤال فقال له: إن هذا لَجميل يا ماوس!، وكان جميلًا وهو يتكون، ولكن ما هذا الشيء الذي نسميه بالجميل يا ماوس؟ وما معناه؟! .فلبرهة لنحبس أنفاسنا مع سقراط وأسئلته الخالدة منذ آلاف السنين ونردد: ما هذا الشيء الذي نسميه بالجميل؟ وما معناه؟!

مما لا شك فيه إن الإنسان لكُبّة شُعور يتأثر ويؤثر، من النظرة البيولوجية قبل التصور الرومنطيقي، اندفع غاضب السريرة مقلوب المزاج، على منضدة البرية، مُلطخ بالدماء، مدهون بصمغ التاريخ، يناجي الخلود بصرخة نواحه، ليلحق بتفاحتين، ترويه مَصّةَ نصيب فنائه، على هذا التوحد يتشكل النائح الصغير في عالم حضن أمه.

وهو ما توضحه عالمة النفس «ماغريت مالهر» بقولها: «إن الأشهر الستة الأولى من حياة الرضيع تتميز بالامتزاج» حيث تتداخل أبنيته الذهنية مع صورة والدته، بعد أن تكون جنينًا في رحمها، وبالتالي، سيستخلص منها صوره الذهنية ليجابه العالم. في هذا السياق تذكرت حكمة عبقة جاء في متنها «المرأة نصف المجتمع وتربي النصف الآخر»، ولما لا يمكن حدها على نفس واحد بـ: «مرأة مرآة الكون»، لهذا يتغنى طواويس الجمال بالمرأة، لاعتبارها ينبوعًا لا ينضب من الحسن والبهاء، وفانوسًا من فوانيس إنارة ظلمات الكون، ومحركًا أساسيًا لاستبطان الفعل المليح على مسرح الذات الإنسانية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى لطالما كانت «حواء» محل نزاع و جدال، وذبيحة طرية لأنصار القبح، نظرًا لمركزيتها في مخيال آدم، مُنتهك شرف السرد. مثل «هبيشا» الإسكندرانية (415 – 370م) التي قتلتها الرعاع ومزقوا جسدها إربًا إربًا، بعد حرقها وهي حية وسحلها في شوارع المدينة، فكانت أول فيلسوفة تقتل بيد الغوغاء بسبب مواقفها الفكرية وبتحريض من قبل رجال دين أتقياء يخافون الله! فكان تقطيع جسد هبيشا والتمثيل به في شوارع الإسكندرية، مسرحية تراجيدية، ترفضها كل شرائع السماء والأرض*.

 فدائمًا ما كانت «ليليث» دافعًا حيويًا لدولاب التاريخ، وصورة بانورامية لجسد هذه الأرض المتورعة، وانعكاسًا ملونًا لتكسر ضوء وجودنا، ونظارات جمالية فوق رمد عين المارقين. وما الجمال إلا مرآة عاكسة في دواخل سقراط على خوارج ماوس وهو ينحت الفخار بين أنامله، رؤية امرأة، من امرأة تنحت الكون من الداخل، فمن يعطيني عينًا ترى امرأة ويأخذ كل نساء العالم؟

من هنا
على موقد الطين المشوي
نطهو مدينة الصقيع
هيهات تنكسر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد