أقرباء وأصدقاء، وأحيانًا عابرو سبيل، حينما يعلمون أنني كاتب شاب، دائمًا ما يعتقدون أن سبب يقظتي لساعات متأخرة في المساء يعود إلى أنني كُنت أكتب مساء، الكثيرون يعتقدون أن الكتابة يجب أن تكون في ساعات سكون المدينة، التي لن تجد فيها حتى تموه قطة أو نباح كلب، ولكن لم يُثبت كبار الكتاب تلك الحقيقة.

لدى الكاتب والفيلسوف الإيطالي أمبرطو إيكو رأي في الروتين اليومي للكاتب، أنه لم يتمتع به في أي لحظة في حياته تقريبًا، ولذلك لن يحتاج الكاتب أن يمتلك ذاك الروتين، وفقًا لإيكو كان لديه روتين واحد فقط يتوقف إن كان في منزله الريفي بجبال مونتيفلترو، وقتها يتفقد بريده الإلكتروني، يقرأ أي شيء، ثم يشرع في الكتابة حتى المساء، المساء خصصه للقرية يقرأ فيها الصحف، ويشرب شيئًا حتى يعود إلى منزله ليشاهد التلفاز أو فيلمًا حتى الحادية عشرة، ثم يعاود الكتابة حتى الواحدة أو الثانية صباحًا. يرجع مبدأ الروتين في هذا النظام غير الثابت قول إيكو: «هناك أتبع روتينًا معينًا؛ لأنه ليس ثمة وجود لما يقاطعني. عندما أكون في ميلان أو في الجامعة، لا أصبح مالك وقتي؛ دائمًا هناك من يحدد ما ينبغي أن أفعل»، وعن الكتابة في ميلان قال: «أكتب في الفجوات من بين ساعات اليوم».

أما العزيز هاروكي موراكامي أوضح لدى مقاله «الروائي العداء» في جريدة The NewYorker أنه يمتلك روتينًا خاصًا، كان قد بدأ ذلك الروتين حينما كان يدير نادي جاز صغير في طوكيو، كان وقتها لديه جسد يعاني كسل الحركة، و60 سيجارة يوميًّا، وعمر يوضح أن شبابه ينتهي بدون ممارسة أي رياضة ما، بدأ الروتين في محاولة لكتابة أول رواية له، مع زوجة انتقل معها إلى الريف الياباني، في منطقة كان يركض فيها صباحًا، تأتيه أفكار كتابته دائمًا أثناء الركض، أو في جلسة السماع للموسيقى ليلًا قبل أن يرحل عن العالم وينام، استمر موراكامي على عادة الركض والكتابة في الصباح، والاستمرار فيها بين الساعة الخامسة صباحًا حتى الساعة العاشرة مساء، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم، بين الكتابة والركض!

غراهام غرين لديه معجزة في عالم الكتابة، هو أنه كتب عملين عظيمين في الفترة الزمنية نفسها، عام 1939 قبل الحرب الثانية، كان يجلس في الصباح ليكتب رواية «العميل السري»، وفي المساء يكتب رواية «القوة والمجد»، في بيته كانت العائلة تلاحظ الأثر على صحته نتيجة محاولة إتمام العملين، وفي فترة ما لجأ غرين إلى المخدرات، كان يتعاطى البنسيدرين، كان عقارًا يُساعد على التركيز اشتهر بين متعاطي المخدرات في تلك الحقبة على أنه يبعث البهجة، كان يتعاطى واحدة حينما يستيقظ، والثانية بعد منتصف النهار، وبفضله استطاع كتابة ألف كلمة صباحًا و500 كلمة مساء، بعد ستة أسابيع أتم كتابة «العميل السري»، ونشرها، أما بالنسبة لرواية «القوة والمجد» فقد استغرقت أربعة أشهر إضافية لكي ينتهي منها.

طوال تاريخ غرين لم يكن لديه تلك القدرة الإنتاجية، ولكنه استمر راضيًا عن الخمسمائة كلمة في بقية حياته، ولم يعد يستخدم المخدرات بعد تمام تلك الفترة من حياته، وقال حينما بلغ الستين إنه أصبح مقتنعًا بـ200 كلمة في اليوم، وفي عام 1968 سأله صحافي: «هل ما تزال رجل التاسعة حتى الخامسة»، أجابه غرين: «يا ألهي، بل أما أنا فأقول إنني على الأكثر، رجل التاسعة حتى العاشرة والربع»، يمكن للسؤال والإجابة أن توضح أن غرين كان يكتب صباحًا وما زال يكتب صباحًا، أو أن غرين يكتب ليلًا مدة ساعة وربع في الليل أو النهار، أو أن غرين يكتب من مساء اليوم حتى أغلب صباح اليوم التالي، فقط بوضع كلمة صباحًا ومساءً بعد أرقام الساعات.

الكتابة إدمان رُبما؛ لأنها تدق الأبواب في أي وقت، لأنها لا تنتهي إلا بانتهائنا، ولأن لكل متعاطٍ لها ظروفًا خاصة دفعته إليها، ولأن لكل متعاطٍ لها طقوسًا خاصة لكي يتعاطها، وربما يحتاج البعض منا إلى أن يتعاطاها في مكان ما، والبعض الآخر يمكن له أن يكتب في أي مكان، لأن متعاطي الكوكايين يمكنه التعاطي في المراحيض العامة، ودور العبادة أحيانًا إن كان متمكنًا، الصباح رُبما يصلح لتعاطي المخدرات –وكذلك الكتابة– والمساء كذلك.

متى يكتب المبدع، حقيقةً هذه إجابة لن يصرح بها المبدع؛ لأنه لا يمتلكها، ولكنه سوف يكتب فقط حينما يسمح له العمل، حينما يكون واضحًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد