بعد أشهر من الحصار الذي فرضته المملكة السعودية والبحرين ومصر والإمارات على قطر، وهو الحصار الذي قاطعوا فيه قطر اقتصاديًّا وسياسيًّا، بعد الاتهامات التي قدمتها هذه الدول الأربعة، والتي تتضمن مطالبتها دولة قطر بالتوقف عن دعم الإرهابيين! «كما تفترض وتعتقد»، وطرد رموز الإخوان المسلمين من أراضيها، مثل الداعية الشيخ القرضاوي، إلى آخر ما جاء في مطالبها الثلاثة عشر، وربما أكثر، بعد شهور من هذا الحصار أعلنت هذه الدول الأربعة المحاصرة أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمجلس الإسلامي العالمي الذين يضمان فقهاء من خيرة فقهاء الأمة الإسلامية ودعاتها فيما نرى ونحسب، وفيما يرى غيرنا؛ بل فيما ترى هذه الدول الأربعة ذاتها؛ لأنها كرمت رموزًا من هؤلاء الأعلام والعلماء والدعاة واحتفت بهم حفاوة عظيمة، قبل إجماعها الأخير على التصدي لقطر ونبذها ووصفها بأنها تقدم الدعم إلى الإرهابيين، وتمثل بذلك خطرًا داهمًا وقريبًا على المنطقة بأسرها، أعلنت أن هذا الاتحاد كيان إرهابي؛ بل إن بعض أعضائه هم في حقيقة الأمر دعاة للإرهاب والتطرف! وأنهم إنما يقدمون صورة مشوهة للإسلام الوسطي !

الحقيقة أن هذا الإعلان يمثل صدمة نفسية كبيرة، مثلما كان إعلان الحصار على قطر صدمة كبيرة؛ لأنه يشكك بصورة مباشرة في الاتحاد الإسلامي ورموزه وعلمائه، وربما أثرت هذه الصدمة في شعوب هذه الدول ذاتها، وفي البقية من دول العالم العربي والإسلامي بالقدر نفسه، وضاعفت هذه الصدمة من ناحية ثانية الإحساس بالمحنة والتعجب، الذي بلغ مبلغًا كبيرًا في كل من يراقب هذا التسلسل الدرامي للأحداث التي تصعد من وتيرتها شيئًا فشيئًا هذه الأربعة دول.

وأول سؤال ينبغي أن يطرح هو: لماذا تنصب هذه الدول المملكة السعودية والإمارات ومصر والبحرين نفسها حاكمًا عامًا على المنطقة؟ إلى الحد الذي تتهم فيه من تشاء كما تشاء، وتقاطع فيه من تشاء كما تشاء، وتنزع سيادة من تشاء كما تشاء! وتشكك في كيانات وتنظيمات جامعة لعلماء الأمة ودعاتها! صحيح أن دولًا مثل المملكة السعودية تمثل قامة في وجدان المسلمين في كل الأطراف، لكن أن تتفق مع مصر والإمارات والبحرين في حصار ظالم وجائر، على دولة شقيقة باتهامات يغلب عليها التدبير والتلفيق، وتفتقد العقلانية والمنطق، وأن تتهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمجلس الإسلامي العالمي، الذي يتبنى منهج التوسط والاعتدال، ولا يجنح إلى الغلو والإفراط، أن تتهمه بالإرهاب وأن تقول في إعلانها الصادم إن الكيانين المدرجين هما مؤسستان إرهابيتان تعملان على ترويج الإرهاب، عبر استغلال الخطاب الإسلامي واستخدامه غطاء لتسهيل النشاطات الإرهابية المختلفة! وأن قرارها جاء في ضوء التزامها بمحاربة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله، وتحدي الإيديولوجيا المتطرفة! فهذا من شأنه أن ينقص من قدرها ومصداقيتها وريادتها شيئًا كثيرًا، وأن يوسع في الوقت نفسه الصدع الذي أصاب هذه الأمة.

ومع هذا فإن هذه الحكومات الإسلامية لو أنها لجأت إلى حلول أخرى بينها وبين قطر، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمجلس الإسلامي العالمي، تنتهج فيه الحوار العلمي الجاد والمناصفة والمكاشفة في مؤتمرات علمية، فإن ذلك أفضل كثيرًا من هذا الاتجاه الذي تسلكه، وأفضل من الحلول التي تميل إلى رمي الاتهامات وإلصاق العدوانية والتطرف بالآخرين، والتي لن تخدم في آخر الأمر إلا أعداء الأمة الإسلامية والعربية، أما أن تتجاوز كل الحلول المشروعة والسلمية والعلمية لحل أي خلافات عارضة وطارئة، تراعي فيها مصلحة الأمة، فإن تجاوزها لن يخدم ويقوي إلا أعداء الإسلام والمتربصين وذوي الغرض، ولن يزيد ذلك «عندما تفعل» الأمة إلا فرقة وانقسامًا، وشتاتًا وحروبًا وويلات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات