تعتبر كوريا الشمالية واحدة من الدول المارقة، (من المفيد هنا أن أوضح أن الدول المارقة أو محور الشر هو مصطلح وتعريف قامت بوضعه الولايات المتحدة، لتحديد وتصنيف الدول التي لا تلتزم بمعاهدة حظر انتشار السلاح النووي، والتي هي من ثم تشكل خطرًا على الأمن والسلم الدوليين اللذين لا تقبل التفريط فيهما الولايات المتحدة والأمم المتحدة! ومع ذلك فإن الولايات المتحدة ذاتها تغض الطرف عن الأسلحة النووية التي تنتجها المفاعلات النووية في إسرائيل على سبيل المثال)!

وهذه هي السياسة المزدوجة التي تتبناها والتي تأخذ بها بعض الدول بالشدة والقهر وربما بالتدمير الكامل، بينما تؤخذ دول أخرى بالرأفة والرحمة، ومع هذا فإن الدول المارقة وفق تصنيف الولايات المتحدة هي العراق وليبيا وإيران وكوريا الشمالية. تعتبر كوريا الشمالية من الدول المارقة التي تشكل تهديدًا كبيرًا، وتمثل صداعًا مزمنًا وتوترًا مستديمًا للإدارة الأمريكية على مدى عقود طويلة.

من علامات هذا التوتر هو التصعيد الأخير بين بيونغ يانغ وواشنطن الذي وصل إلى حد التهديدات الكلامية المتبادلة، بعد أن نفذت كوريا الشمالية تجربة إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات يمكنه أن يصل إلى أجزاء من الولايات الأمريكية، ففي الوقت الذي يري فيه باحثون ومؤرخون من كوريا الشمالية أن زعيمهم أبعد ما يكون عن الجنون بل إن دونالد ترامب هو الشخص الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، فإن السيناتور جون ماكين يصف الزعيم الكوري كيم جونغ أون بالفتى السمين الأخرق، وعندما كان ماكين يطلق وصفه ذاك على زعيم الكوريين فإن كوريا كانت قد فرغت من وضع خطة الهجوم على جزيرة غوام التي توجد بها قواعد عسكرية!

الحقيقة أنه رغم كل التهديدات والتراشقات الكلامية والتأهب للدرجات القصوى التي أعلنها كلا البلدين، بما يصور على الأرجح أن حربًا نووية وشيكة ستندلع بينهما، وستقضي على الأخضر واليابس بل تهدد بفناء البشر والعالم بأجمعه، فإن الفتى أون كما يسميه ماكين، إنما كان يخطط في واقع الأمر – فيما أرى – لاستنزاف الإدارة الأمريكية اقتصاديًا ومعنويًا، ويضفي من ثم على امتلاكه وتطويره للأسلحة النووية صبغة شرعية، تارة بالتهديد كما في الأزمة الأخيرة، وتارة بإظهار الإذعان التام والالتزام الكامل بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وهذا ما بينته بالفعل آخر المستجدات إذ أعلن الرئيس كيم تجميد الخطة الهجومية المزعومة على جزيرة غوام.

ومن أدلة هذه الحقيقة أن كوريا الشمالية هددت بالانسحاب من المعاهدة الدولية في عام 1985 في وسيلة منها لمواجهة ضغوط الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان عليها، وفي عام 1993 نفذت التهديد بالفعل، وقد نجحت وقتها الإدارة الأمريكية في التوصل إلى حل سلمي للأزمة تلتزم فيه كوريا الشمالية بتجميد برنامجها النووي مقابل أموال توفرها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لسد حاجتها للطاقة، إلا أنها أعلنت في عام 2003 انسحابها من التزامها بالمعاهدة إلى أن تمكنت الولايات المتحدة في عام 2005 بعد محاولات مستميتة في مباحثاتها مع كوريا الشمالية، التي علقت المفاوضات إلى أجل غير مسمى، تمكنت الولايات المتحدة من إصدار إعلان بكين لتسوية الأزمة الذي تضمن عددًا من المبادئ منها التزام كوريا الشمالية بتجميد برنامجها النووي مقابل ضمانات أمنية واقتصادية، وبعد يومين أعلنت كوريا تخليها عن الالتزام والاتفاق، وتتابعت هذه المتوالية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

من ناحية أخرى فإن الصين الشيوعية، هذه الحليف الأساسي للنظام الكوري، والتي تربطها معه اتفاقيات سياسية وعسكرية واقتصادية، لن يكون من مصلحتها في شيء اندلاع الحرب وتدمير كوريا الشمالية، بل ستكون هي أول المتضررين، وربما تكثف الولايات المتحدة جيوشها على الحدود وتنشر شبكة صواريخ ثاد المضادة للصواريخ التي نصبتها في كوريا الجنوبية، ناهيك عن ملايين اللاجئين الذين سيتدفقون إلى داخل الأراضي الصينية، لذلك فإن من مصلحتها لضمان التوازن في المنطقة، وإبعاد القوات الأمريكية الموجودة في كوريا الجنوبية عن حدودها هو إنهاء التهور الكوري الشمالي، ومقاومة التوسع الأمريكي في المنطقة بالحلول السلمية.

بقي أن أضيف أن الدول المارقة مثل العراق وليبيا كما في العقيدة الأمريكية والتصنيف الأمريكي، تم التعامل معهما بسياسة السحق والتدمير بعكس سياسة المفاوضات مع كوريا الشمالية، وهما من ينبغي أن تجيش لهما الولايات المتحدة الجيوش وتستأصل شأفتيهما لأنهما يمثلان تهديدًا مباشرًا لإسرائيل وهذا ما حدث بالفعل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد