نعرف – جميعًا – قصة أبرهة ومحاولته هدم الكعبة، ونعرف ضمن ما نعرفه في القصة، صدامه مع جدِّ الرسول – صلى الله عليه وسلم – عبد المطلب، كيف خرج أهل مكة منها وصعدوا إلى هضبة غير بعيدة لمتابعة المشهد وهم يرددون: “إن للبيت ربًّا يحميه”! .. وكيف انتهى المشهد بالطير الأبابيل.
ولا نعرف ضمن ما لا نعرفه، أن أبرهة لايزال موجودًا!
فماذا لو أعاد أبرهة الكَرَّة، وأعدَّ جيشه وجاء قاصدًا هدم البيت، هل ستصعد إلى هضبة قريبة وتردد: “إن للبيت ربٌّ يحميه”!
آه صحيح، ماذا لو كنت أنت هو ربُّ البيت؟!

***
كثيرًا ما ثرثنا عن الغزو الثقافي وعن المغالطات والتضليل الإعلامي! ..
كثيرًا ما ندبنا حظنا!
كثيرًا ما دعونا خلف خطباء الجمعة: “اللهم عليك بالفاسدين”، وكثيرًا ما دعونا – بنشوة! – ونحن نتابع – من على الهضبة دومًا – صراع العمالقة (!): “اللهم أهلك الفاسدين بالفاسدين، وأخرجنا من بينهم سالمين”!
وكثيرًا ما حدث العكس! ولم تنزل لا “طير الأبابيل” ولا “حجارة من سجيل”!

***
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ..
قد يتبادر إلى أذهانكم فور استدلالي بهذه الآية أن مقصودي منها هو مجابهة جيش أبرهة الإعلامي بوسائل وأساليب وأسلحة تكافئ أسلحته ووسائله وأساليبه كمًّا ونوعًا – مع أن ذلك ضروري جدًا في مرحلة تالية!- ولكني أستدل بها من أجل معنى آخر، لأن في هكذا مواجهات لا أعتقد أن الحل يكمن في التحضير لردات فعل (عشوائية) لأفعالهم (المدروسة) والاعتقاد بأننا نحسن بذلك صنعًا، لا لشيء سوى لأن امكانياتنا المادية متكافئة!

***
طيب، بدءًا، لنفرض أن كل ما يحدث لنا هو مؤامرة! – بحكم أننا نحب هذه الشماعة كثيرًا! – ولنسأل أنفسنا: هل التآمر علينا هو سبب ضعفنا، أم أن ضعفنا هو سبب التآمر علينا؟!
شخصيًّا، أميل إلى الاحتمال الثاني، طبعًا أقصد هنا الضعف في مفهومه المعنوي – إن صح التعبير! – (لأنني لا أعتقد أن ضعفنا هو ضعف إمكانيات، على الأقل بالدرجة الأولى)، وأرى أن الآية – في هذا السياق – تشير إلى القوة التي تغطي ذلك الضعف المعنوي – إن صح هذا التعبير، مرة أخرى! – فما طبيعة هذه القوة يا ترى؟

يذكر د. طه كوزي في كتابه “شروق وغروب” (أن مفهوم العدو في المنظومة الإعلامية لا ينطبق على من يحاول أن يقف سدًا أمام مصالحها الاقتصادية المادية فحسب، بل يكفي أن يكون الإنسان واعيًا بالنسق الذي تعمل به هذه المنظومة وبالوسائل التي توظفها، ويسعى أن يقاومها ولو منفردًا؛ فهذا كاف ليُعَدّ من ألد أعدائها).
هو الوعي إذن، أن تعرف أسباب الظاهرة وتتموقع وفقها كما يقول مالك بن نبي، أن تكون إنسانًا ناقدًا لا إنسانًا مستهلكًا للإعلام المهيمن، أن تتولد أفكارك وأفعالك وفق إيمانك ومبادئك لاوفق ما سيطلبه المستمعون، أن تمتلك المناعة والقدرة التحليلية لاكتشاف المغالطات المنطقية والتضليل الإعلامي.
فكيف يُصنع هذا الوعي؟ ومن أين تأتي تلك القوة؟
من إعلام بديل!
طيب، ماهي مميزاته؟!

***
{وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10]
لماذا هذه الآية بالذات؟
لأمرين اثنين!
الأول: {مِنْ أَمْرِنَا}، لابد أن يأخذ هذا الإعلام – البديل – بعين الاعتبار خصوصية المجتمع المراد صناعة الوعي فيه، طبيعته، ظروفه وخصائصه، أن يكون نابعًا منه، خالصًا له.
بمعنى أنه لن تنفع هذه المرة سياسة “أسلمة إعلام أبرهة” وتغليفه بغلاف (حلال) كما يفعل مع اللحوم السويسرية! أعتقد أن من يعتبر أسلمة الإعلام هو إعلام بديل لا يختلف كثيرًا عن من يحاول إقناعنا بأن ترجمة المسلسلات التركية إلى اللهجة السورية تجعل من هذه المسلسلات عائلية!

باختصار نقول: {مِنْ أَمْرِنَا} وليس من أمرهم! ..
أما الثاني: {رَشَدًا}، فليس كل إعلام {مِنْ أَمْرِنَا} يعتبر إعلامًا بديلًا عن إعلام أبرهة، بل أحيانًا يكون إعلام أبرهة هو إعلام {مِنْ أَمْرِنَا} علَّق الإعلامي معتز مطر – والذي أحسبه شخصيًا إعلاميًا بديلًا! – علّق على إعلام أحد البلدان العربية – مصر! – قائلًا: “الناس اللي مصدقة أن البلاد تمشي علشان الإعلام بيقول كده .. بيفكروني بالناس اللي مصدقة أن الأتراك بيتكلموا سوري علشان المسلسل مدبلج!”.

***
إذن، هو “الإعلام البديل الراشد”، الذي يَنقُل المتلقي من مستهلك لكل ما يسمع ويرى ويقرأ إلى ناقد لكل ما سبق، من تفاصيل بقعة الضوء إلى تحليل الصورة الشاملة ومن التحيز قصرًا إلى التمييز بوعي.
هو إعلامٌ بديلٌ راشد، يساهم في صنعه الجميع، ويساهم في صناعة وعي الجميع! لأنه كما ذكرنا في مطلع المقال، جيش أبرهة الإعلامي بالبيت (!) ولن تتنزل طير الأبابيل عليه إذا فرَّ من أمامه الصالحون وأرباب البيوت إلى الهضبة القريبة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد