ربما نسمع كتيرًا من بعض الطلاب والطالبات أنهم حاليًا ربما يدرسون في مساق معين، وهم في الحقيقة غير راغبين فيه، وإنما يدرسونه «تحصيل حاصل»، أو لأنه من مطلوبات حياة تفرضها الحاضنة الاجتماعية «الأسرة – المجتمع – المعارف والأصدقاء…».

هذا المقال أكتبه خصيصًا للطلاب في طور الدراسة الجامعية أو في مرحلة البكالوريوس على وجه التحديد كونهم أكثر الفئات الأكاديمية تضررًا من عدم وضوح الهدف لدى الكثير وغياب الرؤية الواضحة، وبالتالي النظرة الضبابية تجاه المستقبل، ولما ينبغي أن يكونوا عليه.

من الأسباب التي تجعل الفرد لا يشعر بالانتماء لمجال تخصصه، أو عدم الرضا التام أنه ربما دخل هذا المجال المعين إما تلبية لرغبات العائلة، وإمّا تمظهرًا (من التظاهر) بحكم المحيط الاجتماعي، وإما نسبة المجموع عند التقديم، وإما بسبب اختيار المجال الأكاديمي الخطأ بناء على نصيحة من أصحاب أو أقارب (ربما خلفيتهم ضعيفة)، فلم يوفقوا لاستشارة أهل الذكر في المجال.

هل تعلم أن كثيرًا من دول العالم الصاعد والمتقدم تستثمر في مصلحة الفرد ولأجل إنسان الوطن، فهو نصف الحاضر أثناء إعداده وكل المستقبل بعد إعداده أكاديميًا، ونفسيًا، وصحيًا، ومهاريًا، ويتبع ذلك تذليل لكل سبل الراحة من تأمين اجتماعي وتوفير خدمات على المستوى الضروري والكمالي والتحسيني، هنا فقط يمكن أن تنتج فردًا على درجة من الذكاء الاجتماعي والوجداني والأكاديمي، فضلًا عن درجات العبقرية. مواطن قد هيأت له كل سبل الراحة والإمكانات، فكيف لا يبدع.

بعض هذه الدول وصل إلى تحديد مستواك الأكاديمي مستقبلًا في سن مبكرة جدًا، بناء على النشاط الذهني ومستوى الذكاء ونوعه (اجتماعي – أكاديمي – ابتكاري…)، أو وفق أنماط الشخصية (البصري – السمعي – الحسي).

فبالنسبة لاختيار تخصص حياتك فقط على الأقل، يجدر بك أن تعرف من تختار بعناية وانتقاء لتستشيره في تحديد مستقبلك المهني والأكاديمي، أن يكون مستواه العلمي عاليًا، ولديه إلمام بالتخصصات المختلفة وحاجة سوق العمل (داخليًا وخارجيًا) والفرص المتاحة للمجال (داخليًا وخارجيًا)، والمجالات ذات الصلة التي يمكن أن تربط بينها وتخصصك وهكذا.

سبب المشكلة في ترك مجال التخصص والعمل في مجال آخر:

لعل المشكلة تكمن في غياب الرؤية والرسالة الشخصية، أي غياب التخطيط الإستراتيجي الشخصي الفعال والترتيبب الصحيح للحياة. قبل اختيار أي تخصص، احرص على أن تعرف ما هو مجالك في الحياة، فلابد وأن يسأل كل منا نفسه، ما هو رسالتي ومجالي في الحياة؟ بمعنى أن الطالب لن يكون عنده الرغبة في مجاله، وبالتالي سيفقد القدرة على التميز والإبداع، وبالتالي سيفقد الفرص التي يمكن أن يصنعها بنفسه، وبالتالي ستضيع سنوات من عمره هباء، طالما أضمر في نفسه أنه لن يشتغل بمجاله منذ البداية.

الحل:

أرى أنه يمكن أن تصنع الفرصه بنفسك من خلال أمرين:

أولًا: عند اختيارك للمساق الأكاديمي، اختر المجال «غير المزحوم» والذي ليس عليه إقبال حتى تعزز فرص عملك ، أو الذي ترى نفسك فيه (علمي: طب – صيدلة – علوم طبيعية – تكنولوجيا… أو أدبي: محاسبة – اقتصاد – إدارة… أو تدريب مهني: كهرباء – ميكانيكا…). فهنا فرصة إبداعك ستكون أكبر بكثير لتوفر عنصر الرغبة والفرصة والقدرة.

ثانيًا: على افتراض أنك حاليًا في مجال غير راغب فيه، ابدأ، ففي هذه الحالة (يمكن تشغيل عقلك قليلًا)، والتفكير في كيف تصبح رقمًا في هذا المجال، وأن تقوي سيرتك الذاتية بالدورات وشهادات التدريب، خصوصًا في التطبيقات والبرامج.

عبر تطور الحضارة البشرية، تطور الإنسان من عصر الحجارة إلى البرونز مرورًا بعصر الآلة، انتهاء بعصر البرامج الحوسبية. وبالتالي فالشخص الذي يكون ماهرًا في برامج التطبيقات حاليًا ستكون فرص عمله وكسبه أكبر. فمثلًا:

– لو كان تخصصك في المحاسبة، يمكن أن تبدأ بالاشتغال على برامج المحاسبة الإلكترونية المختلفة.

– لو أن مجالك الحاسوب والـ«IT»، يمكن أن تركز على لغات البرمجة.

– لو أن مجالك طبي، فيمكنك أن تشتغل على أجهزة التحليل المختلفة لتكون «Smart Interpreter».

– لو أن مجالك في الحسابات، مثل: «Mathematics – Economy – Statistics»، فمن الممكن أن تعمل على برامج التحليل المختلفة مثل (SPSS).

– لو كنت جيولوجيًا، سواء كان مجالك «mining – petroleum – Geophysics – Under ground water»، فيمكن أن تشتغل على تطبيقات النمذجة المعدنية (سيرباك)، و«GIS & Remotesensing».

– لو كنت دارسًا لعلم الجغرافيا، فهناك برامج مثل: «GIS remote sensing».

– وممكن أن تدخل مجال الصحة والسلامة (HSE)، وهذا مجال مرغوب ومحبب، ويدخل في مجالات وتخصصات كثيرة، وفرص التوظيف فيه عالية ومرتباته عالية، وبه تحضيرات دولية مثل: (OSHA – IOSH – NEPOSH).

الفرص المتاحة:

إن البرامج التطبيقية، لا تقوي فرص عملك وفاعلية الأداء فقط، بل هي أيضًا نافذتك لسوق العمل الحر.

وختامًا، فكر في كم شخص مثلك خريج في نفس مجالك أو مجالات مشابهة، وترك المجال المهني الذي كان يفترض أن يكون هو مجال الحياة الذي يعمل فيه ويتطوع فيه ويبدع فيه، ودخل السوق الحر أو اشتغل، لكن في غير تخصصه، فضاعت سنوات من عمره بلا فائدة رجعية، وكان يمكن أن يبدع فيه و«يعمل من الفسيخ شربات» (مثل سوداني).

فلابد أن تسعى لتكون رقمًا مهمًا في مجالك، وتقوي فرصك بنفسك، حتى لو كنت غير راغب فيه، وفي كل الأحوال أنت تقرأ. فتش عن المجالات القريبة من تخصصك، ابحث عن التطبيقات التي يمكن أن تبدع فيها وانطلق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد