الأمر الذي أفهمه جيدًا الآن أن أحد أسباب معاناتنا التي لا تنقطع هو غياب الاقتداء.

نبحث عما يميزنا، عن صورة رائعة يكتبها الصحاب عنا أو ترسمها خربشاتنا على صفحاتنا الخاصة. نريد أن نقول ما لم يقله الآخرون، ونريد أن نجمع بين القديم الأصيل والجديد المبتكر، نلوم بعضنا البعض على أمراض القلوب وعلى السقوط في الفتن وعلى خيبة الآمال وضيق الأفق. في حين أننا نبتعد كثيرًا ونغفل عن الصورة الوضيئة التي تحمل كل ما يمكن أن نتخيله من كمال، المثال الذي لا يخبو ضوؤه والقدوة التي لن نكتشف خواءها بعد قليل، الصورة المثلى التي يمكن للجميع أن يقتبس من نورها ويتفيؤ ظلال عطائها.

هذه القدوة وحدها ستمنحنا التغيير الذي نحلم به دون أن ندرك شكله ورسمه، فمحاولاتنا للوصول إلى نمط خاص بنا للإصلاح لن تثمر شيئًا ما دمنا نتطلع لشيء لا ندري كنهه ولا نعرف غايته.

في زمن مضى كنا نحاول أن نقتدي، وكان حديثنا عن المثل الكامل، وعن الطريق الواضح الذي يجب أن نسلكه، ثم أزاحتنا عن الطريق سيول من أحداث وخبرات وتجارب، ولم ننتبه إلى أي طريق صرنا، فلما أردنا العودة كانت تحجبنا عن المثال آثام وأصنام وضعت بطريقنا فألهتنا وأعمتنا.

ما الذي يجب علينا في زمن متسارع الخطى يكتم الأنفاس، كيف نمضي في حياة مليئة بالنعم مثقلة بالإنجاز تدني إلينا حياة الرضا واليقين، ثم ننطلق من تلك الحياة الطيبة لنصلح ما فسد في حيوات الناس نضيء لهم قبسًا ونحمل مشعلًا على كل الطرقات.

هذه التفاصيل المعقدة، كل خطوة من الخطوات التائهة يعتدل مسيرها وتتضح تفاصيلها المعقدة إذا وصلنا عنده، وتركنا السفين ترسو على ذلك الميناء الزاخر، عند تلك التفاصيل الصغيرة التي تركها لنا وسجلها لنا أصحابه وأتباعه، تلك الحياة النبوية الشريفة والكريمة والتي كانت رسالتها على الأرض أن تعطي المثال وتحيل آيات الكتاب إلى واقع عملي ملموس.

فإن قيل قد تطاول الزمان وامتد جدار سميك بيننا وبين تلك السيرة، قلنا ألا يهتدي القوم بفكر فلان العظيم وأدب فلان البليغ وجهاد ذلك الثوري وأقوال ذلك الملهم مهما بعدوا في الزمان وتعاقبت بعدهم الدهور؟! فحياة البشر وحاجاتهم وتطلعاتهم لا تختلف كثيرًا إنما يختلف ما استجد من وسائل وما توفر من علوم مادية.

أما في سيرة أعظم البشر وسنته القولية والفعلية فالأمر ليس أقوالًا وأدبًا وفكرًا وحسب، بل حياة بطولها مفعمة بصدق العمل، حياة شملت كل تفاصيل البشر وهي حياة سماوية سامقة تختلف عن الآخرين في مصدرها ومنبع عظمتها وسموها، فبينما غيرها قد ألهمه التأمل وإعمال الفكر والنظر مع ثراء التجربة وتراكم الخبرات فهذا الإنسان الكامل أدَّبه ربُّه وزكى قلبه وأوحى إليه، فأنى لغيره من القدوات مهما بلغ ذلك النور المتصل بالسماء! وإنها لمهمة صعبة أن نقبس من هذا النور إلا أن الحب يهونها والمتابعة واعتياد المجاهدة، ولعلنا لو تأملناها مع نية الاقتداء لاختلف الفهم كثيرًا، وذلك أننا اعتدنا قراءتها لنعرف، كقصة مؤثرة قد تتحرك مشاعرنا أثناء معايشتنا لها فنتأمل ونبكي أو نشعر بالحب والتقدير والإكبار ثم تنتهي القصة ونغلق الكتاب ونعود نضرب في جنبات حياتنا بلا هدى يقودنا أو مثل نحتذيه فيدفعنا لتحقيقه في أنفسنا قدر الاستطاعة وبغاية ما نملك من الجهد.

ربما نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى، في زمن يعلو فيه صوت الأنا ويبحث الجميع عن بصمته الخاصة ويريد كثير منا أن تكون له سيرته الخاصة المختلفة، ربما في هذا الوقت نحتاج أن نعود إليه من أجل الاقتداء كي تهدأ النفوس المتطلعة وتعرف كيف تتربى وتتزكى وتكون على السبيل الموصل لا على الطريق المتعرجة المتفرقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد