نصف الحاضر وهو الحاضر الغائب في مجتمعاتنا التي تدرك وجود هذا النصف، وتعتمد عليه معولًا لكل شيء، لكنها تنكر وجوده في ساحات صنع القرار.

الشباب العربي أكبر شرائح المجتمعات العربية وأكثرها طاقة وحيوية وأملًا، الباحثون عن كرامتهم لما فيها من كرامة أوطانهم ومجتمعاتهم، الهاربون من عتمة حاضرهم أملًا في مستقبل آخر يصنع على أعينهم.

هذه الفئة التي تفضل كثيرًا أن تشارك في نهضة أوطانها، والمشاركة في بناء مجتمعاتها من خلال العمل التطوعي، لا السياسي؛ نظرًا إلى أنه المجال المتاح أمامهم دون قيود وشروط كما في العمل السياسي الذي يحظر وجود الشباب، أو يقيده بشكل يحول دون مشاركتهم الحقيقية، إلى جانب أن هذه المساحة من العمل تكفل لهم حرية أكبر وحيوية وانطلاقًا بأفكارهم وأهدافهم العملية، بعيدًا عن تعقيدات كبار السن في بعض الأحيان.

الشباب هم حجر الأساس في كل أمة وسر نهضتها، فهم بناة الحاضر، وخط الدفاع الأول والأخير عن الوطن، وهم من أهم العناصر المساهمة في رسم خطط ملائمة لعصرهم ومتطلباته، خاصة في المجتمعات العربية التي تعتبر مجتمعات لديها طفرة شبا،ب فهي مجتمعات شابة فتية يشكل الشباب نسبة أساسية من تكوينها.

يقول كوفي عنان: إن المجتمع الذي يقطع نفسه عن الشباب يقطع عن نفسه ما يمده بالحياة، ويكون مكتوبًا عليه أن ينزف حتى الموت.

كل ما يقال في حقهم قليل، إلا أنه رغم ذلك هم أقل من يشارك في الساحة السياسية، أو في صنع القرارات واتخاذها ومراقبتها في المجتمعات العربية، على الرغم من أن تلك القرارات تطبق بشكل أكبر عليهم، بما أنهم النسبة الأكبر المشكلة لبناء المجتمع.

وعلى الرغم من أنهم أهم العناصر التي تلعب دورًا مركزيًّا في تحفيز التحركات من أجل الديمقراطية في كل أنحاء العالم، ومشاركتهم السياسية مؤشر أساسي على ديمقراطية المجتمعات، ووجود مساحة خاصة بهم في الساحة السياسية يشكل دافعًا لاستمرار هذه الديمقراطية وبقائها، والتي بالتالي تكفل كرامة الشعوب وحريتها.

إلا أن هذه المساحة تمنع من المشاركة بشكل قاطع، معللين ذلك بأن هذه الفئة من المجتمع هي فئة فاقدة للبوصلة حائرة، تحتاج لمن هو أكبر منها ليقودها، أو لربما أن كبار السن يملكون خبرة وتجربة أعمق وأكبر تؤهلهم لقيادة القرارات وصناعتها للوطن وللشباب.

هذه النظرة إلى الشباب يتقمصها القائمون عليها عند اختيار الفئات المشاركة في الساحة السياسية، لكنها تختفي البتة في لحظة إعلان انتخابات، أو الحاجة لأصوات انتخابية، أو تصويت لصالحهم، ففي هذه اللحظة يصبح الشباب الفئة الأساسية المستهدفة من الحملات الانتخابية والدعائية، وتخرج علينا أصوات هنا وهناك تنادي بحق الشباب في تحقيق تواجد فعلي لهم، لكنها لا تفتأ أن ترتقي لواقع حقيقي، وتبقى مجرد خطابات دعائية رنانة توضع طُعمًا للشباب لتحظو بأصواتهم.

إن مجتمعاتنا العربية تحرم نفسها من الاستفادة من نعمة أكرمها الله بها، فالشباب مصدر ثراء الأمم، والراعي الأول للتغيير والتقدم، وهم مستقبل الأمة وقادتها، يمتلكون من القدرات والمهارات ما لا يتوفر إلا في أبناء جيلهم، فعليهم يعول في عمليات التحول في المجتمع وفي قيمه.

وفي الماضي نعلم جيدًا كيف كان رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- يفوض صغار السن لقيادة المعارك، ونعلم كيف أن كثيرًا من الفتوحات والانتصارات قادها فتية وشباب في مقتبل عمرهم، فرسولنا يدرك قيمة الشباب وقدرتهم على تولي زمام الأمور، وهمتهم وطاقتهم التي تؤهلهم لتلك المناصب.

في المقابل يخرج علينا البعض ويقول إن الشباب في مجتمعاتنا غير مبادر للمشاركة السياسة، فهنا أقول له لربما صدقت لكن هلا سألت نفسك لماذا يغيب عن ذلك؟

كثير من الشباب ممن لديهم الإمكانات والقدرات يمتنعون عن المشاركة السياسية حينما يجدون أن ما يعود عليهم من المشاركة السياسية أقل بكثير مما يعود عليه في أي نشاط آخر، أو ربما عدم مشاركته تكف عنه أذى السلطة الحاكمة فيتراجع عن المشاركة، أو في حال شعر أنه بوجوده أو عدمه لن يتغير شيء، فالأهداف المطروحة لا قيمة لها، أو أنها محسومة ولا يمكن تغيير شيء أو إصلاحه، فمشاركته من نظره لن تحدث أمرًا.

لذلك على مجتمعاتنا أن تحفظ هذه النعمة من الزوال وأن تستثمر هذه الطاقات بما هو خير لها، فبخسارة هذه الثروة يعني خسارة المستقبل.

وعلى الشباب استغلال حجمهم المكون للمجتمع لصناعة التغيير، وعليهم الانحياز لمصالحهم ولحاضرهم لضمان مستقبلهم، والكف عن النظر إلى المراكز القيادية والمواقع السلطوية بأنها مؤسسات خاصة لكبار السن، بل هي ساحة من العمل لها ما لها وعليها ما عليها، والتواجد بها ليس تشريفيًّا، إنما حمل وأمانة ينبغي أن يحارب الشباب لحملها لإنقاذ ما تبقى من مستقبل هذه الأمة.

أما السلطات الحاكمة في مجتمعاتنا فعليها أن تدرك أن الشباب جزء من المجتمع لا يمكن إنكاره ولا إخماده، وأفضل استثمار في الوطن يكون في الشباب، وحتى تكفل السلطات تواجدًا حقيقيًّا للشباب؛ أتوقع أنه من الأجدر تحديد عدد مقاعد للشباب في البرلمانات العربية، وإطلاق الحرية الحقيقية للعمل السياسي لهم من خلال تشيجع الشباب على ممارسة أي نشاط في الساحة السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد