مع ذكرى سقوط غرناطة التي تحل علينا في الثاني من يناير كل عام.. دائما ما يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: هل خان أبو عبد الله الصغير – آخر ملوك غرناطة – الأندلس، وكان سببا في ضياع آخر معاقل المسلمين هناك، وتواطأ مع الملكين الكاثوليكيين: فرناندو وإيزابيلا، لتسليم غرناطة؟ هناك من يجزم بخيانته، وهناك من يبرئه.

 

حسنا لنبحث الموضوع منذ البداية، وتحديدا وقت توقيع معاهدة تسليم غرناطة. نحن الآن في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1491، في قصر الحمراء بغرناطة، حيث اجتماع طارئ عقده أبو عبد الله الصغير ملك غرناطة مع وجهاء وأعيان وفقهاء وفرسان غرناطة؛ للتوقيع والموافقة النهائية على وثيقة تسليم غرناطة حسب الشروط التي اتفق عليها مع الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا. ارتضي كل الحضور هذه الشروط، وبدأوا في التوقيع على الوثيقة، إلا فارس واحد، ارتفع صوته في غضب يشق غرفة الاجتماع ليقول: (لنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه خير لي أن أحصى بين الذين ماتوا دفاعا عن غرناطة، من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها).

 

أرسلوا إلى فرناندو، وقولوا له: إذا أردت أسلحة المسلمين فلتأت لأخذها بنفسك، ليعلم ملك النصارى أن العربي قد ولد للجواد والرمح، فإذا طمح إلى سيوفنا، فليكسبها غالية، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة، في المكان الذي أموت مدافعا عنه، من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين. (إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها وتدنيس مساجدنا وأمامنا الجور الفاحش والسياط والأغلال والتعذيب والمحارق، لا تركنوا إلى هذه المعاهدة، فسيغدر بها ملك النصارى، وهذا ما سوف تراه تلك النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف، أما أنا فوالله لن أراه).

 

كان أبو عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة، أثناء الحصار الأخير لغرناطة، هو وكبار قادته، مهمومين بمصير أنفسهم وعائلتهم قبل مصير شعبهم ودولتهم حتى إن وزيره يوسف بن أبي القاسم، ومساعده يوسف بن كماشة، أثناء المفاوضات التي جرت مع ملوك قشتالة، كتبا إلى الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا خطابا يؤكدان فيه استعدادهما لخدمتهما وإخلاصهما لهما.

 

بل إن أبا عبد الله الصغير نفسه، بالرغم من أنه عقد معاهدة استسلام، إلا أنه كان حريصا في المقام الأول على ضمان خلاصه وممتلكاته، بل عقد هو ووزراؤه مع النصارى صفقة حصلوا بمقتضاها على ضياع وأموال نقدية، ولذلك حينما تسربت أنباء الصفقة ومعاهدة تسليم غرناطة عم الحزن والأسى ربوع المدينة، وانتفض مواطنوها للدفاع عنها، وكان المفترض حسب اتفاقية ابو عبد الله مع الملكين الكاثوليكيين أن تسلم غرناطة في السادس من يناير عام 1492م، إلا أنه بعد أن تسربت أنباء الاتفاقية، وحدثت احتجاجات عنيفة في غرناطة، طلب أبو عبد الله تقديم ميعاد التسليم خمسة ايام، وفي ليلة الأول من يناير سمح لفرقة من القوات النصرانية بالدخول سرا إلى قصر الحمراء، ويبدو أن إدخال النصارى ليلا إلى قصر الحمراء كان مقصودا به عدم إفلات الأمور من يد أبي عبد الله الصغير، وتسليم المدينة قبل أن يطيح به الثوار، وفي صباح يوم 2 يناير عام 1492 استيقظ سكان غرناطة المذهولون ليجدوا أن الحرب قد انتهت، وأن رايات قشتالة ترفرف فوق أسوار الحمراء الشاهقة، ومن أطول أبراج القصر، برج الرياح، أعلن صليبي فضي ضخم الانتصار النصراني لفرناندو وإيزابيلا، اللذين كانا يراقبان من مسافة قصيرة ومعهما جيوشهما وحشد من حاشيتهما ورجال الدين النصارى.

 

ولنتتبع بعد ذلك مسيرة أبي عبد الله الصغير مع مؤرخنا الكبير محمد عبد الله عنان. حيث قضت معاهدة تسليم غرناطة: أن يغادر غرناطة مع أسرته إلى البشرات، وأن يحكم هذه المنطقة باسم ملك قشتالة، وفي طاعته، وأن يكون مقره في قرية أندرش. ولما ذاعت أنباء التسليم؛ تميز الشعب غضبا وسخطا على أبي عبد الله، واعتبره مصدر كل مصائبه ومحنه؛ فبادر أبو عبد الله بالأهبة للسفر مع أسرته وخاصته وحشمه، وبعث بأمواله ونفيس متاعه إلى مقره الجديد في أندرش. وفي نفس اليوم الذي دخل النصارى فيه غرناطة، غادر أبو عبد الله قصره وموطن عزه ومجد آبائه إلى الأبد؛ وخرج للقاء عدوه الظافر في سرية من الفرسان والخاصة، فاستقبله فرديناند في محلته على ضفة شنيل.

 

وتصف الرواية هذا المنظر المؤثر، فتقول إن أبا عبد الله حين رأى فرديناند، هم بترك جواده، ولكن فرديناند بادر بمنعه وعانقه بعطف ورعاية؛ ثم قدم إليه أبو عبد الله مفاتيح الحمراء قائلا: (إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة العرب في إسبانيا. وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا. هكذا قضى الله، فكن في ظفرك رحيما عادلا). وسار أبو عبد الله بعد ذلك صحبة فرديناند إلى حيث كانت الملكة إيزابيلا، فقدم إليها تحياته وخضوعه، ثم انحدر إلى طريق البشرات ليلحق بأسرته وخاصته.

 

وهنا تقول الرواية: إن أبا عبد الله اشرف أثناء مسيره في شعب تل البذول (بادول) على منظر غرناطة فوقف يسرح بصره لآخر مرة في هاتيك الربوع العزيزة التي ترعرع فيها، وشهدت مواطن عزه وسلطانه؛ فانهمر في الحال دمعه وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه عائشة: (أجل.. فلتبك كالنساء ما لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال). وتعرف الرواية الإسبانية تلك الأكمة التي كانت مسرحا لذلك المنظر المحزن باسم شعري مؤثر هو: (زفرة العربي الأخيرة)، وما تزال قائمة حتى اليوم، يعينها سكان تلك المنطقة للسائح المتجول.

 

ثم تقول الرواية أيضا: إن باب غرناطة الذي خرج منه أبو عبد الله لآخر مرة قد سد عقب خروجه برجاء منه إلى ملك قشتالة، وبني مكانه حتى لا يجوزه من بعده إنسان.

 

لم يطل مكث أبي عبد الله بمقره الجديد في أندرش، ولم تمض أشهر قلائل حتى أدرك كما أدرك عمه من قبل أنه يستحيل عليه البقاء في هذا الوضع الشاذ كعامل لملك قشتالة، وكان فردنياند من جانبه ينظر إلى وجوده بعين الريب ويخشى مثار الفتنة؛ فعول أبو عبد الله أن يحذو حذو عمه في الجواز إلى إفريقية، ونزل لفرديناند عن حقوقه نظير مبلغ كبير، ثم جاز بأسرته وماله ومتاعه من ثغر المرية إلى المغرب الأقصى في سفن أعدت له 1493م ونزل أولا بمليلة، ثم قصد إلى فاس واستقر بها، وتقدم إلى ملكها السلطان محمد شيخ بني وطاس الذين خلفوا بني مرين في الملك، مستجيرا به، مستظلا بلوائه ورعايته، معتذرا عما أصاب الإسلام في الأندلس على يده، متبرئا مما نسب إليه، وذلك في كتاب طويل مؤثر كتبه عن لسان كاتبه ووزيره محمد بن عبد الله العربي العقيلي، وسماه (الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس). وقد افتتحها بعد الديباجة بقصيدة رائعة هذا مطلعها:

مولى الملوك ملوك العرب والعجم … رعيا لما مثله يرعى من الذمم

بك استجرنا ونعم الجار أنت … لمن جار الزمان عليه جور منتقم

حتى غدا ملكه بالرغم مستلب … وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم

حكم من الله حتم لا مرد له … وهل مرد لحكم منه منحتم

كنا ملوكا لنا في أرضنا دول … نمنا بها تحت أفنان من النعم

فأيقظتنا سهام للردى صبت … يرمي بأفجع حتف من بهن رمى

فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا … وأي ملك بظل الملك لم ينم

 

وهي طويلة جدا، يمتدح فيها ملوك فاس وشيد بعلائقهم القديمة مع بني الأحمر: ويشير أبو عبد الله بعد ذلك إلى حوادث الأندلس، ويعتذر عن نكبته، ويعترف بخطئه. ومن قوله في ذلك: (اللهم لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكني مستقيل، مستنيل، مستغيث، مستغفر؛ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) بيد أنه يدفع عن نفسه تهم الزيغ والتفريط والخيانة بشدة، ويقول: (ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه المؤكد فيه خطه بإيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها؛ فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصفر، ولا يسوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر، ما وجدناه على ذلك مندوحة ولو شاسعة)، ثم يرثي ملكه بعبارات مؤثرة منها: (ثم عزاء حسنا وصبرا جميلا، عن أرض ورثها من شاء من عباده معقبا لهم ومديلا، وسادلا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولا، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا. فليطر الطائر الوسواس المرفرف مطيرا كان ذلك في الكتاب مسطورا. لم يستطع غير مورده صدورا. وكان أمر الله قدرا مقدورا).

 

واستقر أبو عبد الله في فاس في ظل بني وطاس، وشيد بها قصورا على طراز الأندلس رآها وتجول فيها المقري مؤرخ الأندلس بعد ذلك بنحو قرن (1037هـ – 1628م)، وقضى أعواما طوالا في غمر الحسرات والذكريات المفجعة، وتوفي سنة 940هـ (1534م). ودفن بفاس، وترك ولدين هما يوسف وأحمد، واستمر عقبه متصلا معروفا بفاس مدى أحقاب، ولكنهم انحدروا قبل بعيد إلى هاوية البؤس والفاقة، ويذكر لنا المقري أنه رآهم سنة 1037هـ فقراء معدمين يعيشون من أموال الصدقات وفي بعض الروايات الإسبانية أن أبا عبد الله توفي قتيلا في موقعة نشبت بين السلطان أحمد الساطي وبنى سعد الخوارج عليه في وادي أبي عقبة، وقاتل فيها أبو عبد الله جانب أصدقائه بني وطاس، وذلك سنة 943هـ (1536م) بيد أنها رواية ظاهرة الضعف لأن أبا عبد الله يكون في هذا التاريخ قد جاوز السبعين، ومن الصعب أن نصدق أنه يخوض مثل هذه المعارك الطاحنة بعد أن هدمه الإعياء والهرم، هذا إلى أن الرواية الإسلامية في هذا الموطن أدعى إلى الترجيح والثقة.

 

ويعرف أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس بالملك الصغير (وبالإسبانية تمييزا له من عمه أبي عبد الله الزغل، ويلقب بالزغيبي، أو عاثر الحظ تنويها بما أصابه وأصاب الإسلام على يده من الخطوب والمحن.

 

إلى الآن أنا بالفعل في حيرة، ولا أستطيع أن أصل إلى حل شاف.. إن أبا عبد الله الصغير بالتأكيد كان انتهازيا، واستغل حصار غرناطة، ورغبة الملكين الكاثوليكيين للحصول على آخر معاقل الإسلام في الأندلس بأي شكل، وبأقل جهد لتحقيق مكاسب وامتيازات شخصية له ولعائلته.. ولكن هل هذا يرقي إلى درجة الخيانة؟ أترك الإجابة لك عزيزي القارئ.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- محمد عبد الله عنان.. دولة الإسلام في الأندلس.
2- حسين مؤنس.. موسوعة تاريخ الأندلس.
3- محمد بن عبد الرحمن البشر.. مآسي الأندلس.
4- رامز اسماعيل الحلبي.. عوامل سقوط الأندلس.
5- جمال يحياوي.. سقوط غرناطة ومأساة الموريسكيين.
6- عبد الرحمن علي الحجي.. التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة.
7- محمد عبده حتاملة.. محنة سقوط الأندلس عشية سقوط غرناطة وبعدها.
8- أسعد حومد.. محنة العرب في الأندلس.
9- محمد عبده حتاملة.. الأندلس التاريخ والحضارة والمحنة.
10- هاني يحيى نصري.. أخبار سقوط غرناطة.
عرض التعليقات
تحميل المزيد