جُندب بن جُنادة اختُلف في اسمه كما اختُلف في اسم أبيه، لكنه ذلك على الراجح والمشهور، كان أبو ذر في إسلامه من السابقين الأولين، يقال بعد ثلاثة ويقال بعد أربعة، وقد روي عنه أنه قال: أنا رُبع الإسلام أي رابع أول أربعة دخلوا الإسلام. رجع أبو ذر إلى بلاد قومه بعد إسلامه فأقام بها حتى مضت بدر وأُحد والخندق، ثم أقبل على النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة فصحبه إلى أن مات، وبعد وفاة أبي بكر خرج إلى الشام قاصدًا العيش فيها، فلم يزل بها حتى تولى عثمان بن عفان الخلافة، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية بن أبي سفيان واليه على الشام، فقام عثمان بنفيه وأسكنه الربذة إلى أن مات بها سنة 32 من الهجرة.

في الشام اشتد الخلاف بين أبي ذر ومعاوية لعدة أمور رآها أبو ذر، تدور كلها في إطار اجتماعي، أنكر عليه قولته: إن المال مال الله بل هو مال المسلمين، وأنكر عليه حصر المال بين طبقة معينة من الناس، وبناء معاوية الخضراء بدمشق قائلًا: «إن كنت بنيتها من مال الله فهي الخيانة، وإن كنت بنيتها من مالك فإنما هو الإسراف» وكان الناس يسمعون له، فلما ضاق معاوية به كتب إلى عثمان، فرجع أبو ذر إلى المدينة ونفاه عثمان كما قلنا، وقيل إنه خَيَّره فاختار الربذة، وعَرض عليه عثمان مَالًا يتقي به نَكد العيش وشظفه، فرفض ذلك أبو ذر.

يُدافع الدكتور طه حسين عن أبي ذر أشد ما يكون الدفاع حينما حاول بعض النقاد وكُتَّاب السِّيَر أن يَرموا أبا ذر بأنه أخذ هذه الرؤية الإصلاحية، وتعاليمه التي عارض بها نظام عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في سياسته المالية من عبدالله بن سبأ، وأنها لم تكن لها علاقة بتعاليم أبي ذر عن الإسلام، ومن الذين قالوا هذا القول عن أبي ذر المرحوم أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) فقد قال: «إنه من الممكن أن يكون أبو ذر قد تلقى هذه التعاليم من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حَسَن النية في اعتقادها». يرفض الدكتور طه حسين هذا الكلام جملةً وتفصيلًا فيقول: «فما كان أبو ذر في حاجة إلى طارئ محدث في الإسلام ليعلمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقًا»، ثم يعدد طه حسين فضائل أبي ذر ويقول: «إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان: لا ينبغي لمن أدى الزكاة أن يكتفي بذلك حتى يُعطي السائل ويُطعم الجائع ويُنفق من ماله في سبيل الله، وكان كعب الأحبار حاضرًا هذا الحديث فقال: مَن أدى الفريضة فحسبه. فغضب أبو ذر وقال لكعب: يا ابن اليهودية! ما أنت وهذا؟ أتعلمنا ديننا! فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، مع أن كعب الأحبار مسلمًا أبعد عهدًا بالإسلام من ابن سبأ، فأعجب لرجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ينكر على كعب أن يُجادل في الدين، ثم يتلقى الدين نفسه من عبدالله بن سبأ!».

بيئة أبي ذر (الغفارية) وتعاليمه التي تلقاها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي التي علَّمته هذه الرؤية، فرجل آخر من (غفار) اسمه الحكم بن عمرو الغفاري، وكان أميرًا على خراسان زمن معاوية، يكتب إليه زياد بن أبي سفيان أن أمير المؤمنين كتب أن تُصطفى له الصفراء والبيضاء، فلا تقسم بين الناس ذهبًا ولا فضةً، فكتب إليه الحكم: «إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السماوات والأرض كانتا رتقًا على عبدٍ ثم اتقى الله جعل الله له مخرجًا، ثم قال للناس: اغدوا على مالكم، فغدوا فقسمه بين الناس». يبدو أنها كانت بيئة تتحرج من المال أشد ما يكون التحرج، وأبو ذر واحد من تلك البيئة، لا يعدوها وإن بلغ من العمر مبلغًا، ومن ثَمَّ كانت هذه الرؤية التي رآها أبو ذر في المال.

أبو ذر على كل حالٍ كانت مشكلته في النظام الاجتماعي الذي بدا عليه التغيير فما أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، ومع ذلك لم تكن له مشكلة مع النظام السياسي القائم، كل ما يريده توزيعًا عادلًا للأموال وحسب، فدائمًا ما كان يردد: لو صلبني عثمان على أطول جذعٍ من جذوع النخل لما عصيت، وقال: أمرت أن أطيع وإن أُمِّرَ عليَّ عبدٌ مجدعٌ. يقول الدكتور طه حسين: «وهو على كل هذه المعارضة لم يكن ثائرًا ولا نازعًا يدًا من طاعة ولا ممتنعًا عن الخليفة إن عاقبه أو أراد به مكروهًا، إنما كانت معارضته معارضة سلبية تكتفي بالنقد اللاذع والنصح العنيف».

إن الفرق بين الإصلاح والثورة واضح، ودائمًا ما يقع الأصوليون -لا أقصد بذلك أبا ذر على الإطلاق- في هذا اللغط ويخلطون بينهما، إنهم يقفون موقفًا مترددًا بين الإصلاح والثورة، فهم دائمًا يميلون للإصلاح ولا يستطيعون الثورة حتى في البيئة المهيأة للثورة، وما علموا أن الإصلاح والثورة لا يجتمعان، فهو طريقٌ واحدٌ الثورة أو الإصلاح، ولكل طريق وجهته وعواقبه، كل من الإصلاح أو الثورة يأتي في ظروف معينة وبيئة خاصة.

كان أبو ذر يرى أن المسلم لا ينبغي أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لكريم، وذلك يؤيد ما قلناه بأن أبا ذر كان يريد أن يرى المجتمع بصورة معينة كائنًا مَن كان النظام الذي يحكمه. يقول محمد كرد علي: «ورأي أبي ذر أشبه بالآراء الاشتراكية، لكنه منبعث من زهدٍ كثيرٍ وتقوى جميلةٍ، إذا سار المسلمون على طريقهما ضعف سلطانهم في الأرض، ومَن ضعف سلطانه ضعفت مقدساته ومشخصاته لا محالة». يبدو أن كرد علي لم يرضَ لأبي ذر تلك النظرة التي نظرها للمجتمع، فكيف يكون الحال لو ثار أبو ذر على نظام عثمان؟

رحم الله أبا ذر جاهد للإصلاح ما جاهد وإن لم يرتقِ لمرتبة الثائرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الاسلام والحضارة العربية - محمد كرد على
فجر الإسلام - احمد امين
عرض التعليقات
تحميل المزيد