جاء اعتقال د. عبد المنعم أبو الفتوح واحتلال حزبه في ظل التدهور الفادح في الوضع الاقتصادي، ومع  انكشاف أوراق التوت عن عورات العسكر إثر اقتراب مسرحية الانتخابات الهزلية ليعطي دلالة دامغة أن نظام 3 يوليو جاوز مداه في الديكتاتورية، وضاق ذرعا بأي صوت يشذ عن أبواق الدعاية السوداء التي يقودها عباس كامل وصبيانه في أجهزة التضليل الإعلامي.

مما لا شك فيه أن حوارات د. أبو الفتوح الأخيرة في لندن اتسمت بالوضوح في معارضة السيسي، وقد مثل ظهوره على شاشة الجزيرة تحديًا واضحًا لنظام دأب على وصمها بالخيانة والتآمر، وفي ظل أجواء دفعت محاوره إلى تحذيره من مغبة العودة إلى مصر.

ولكنه عاد إلى مصر وفضل الاعتقال فيها عن البقاء حرًا طليقًا خارجها ضاربًا مثلًا سياسيًا ونضاليًا شجاعًا، ومن يتتبع تاريخ الرجل سيجد أنه بدًا ثوريًا، ومنذ اللحظة الأولى في واقعة حواره الشهير مع السادات، وحتى حين اختير كأصغر عضو في مكتب إرشاد الجماعة التى ترعرع في كنفها، فإن الرجل لم يتوان عن النقد الصريح والاختلاف مع كثير من مواقف الجماعة التي انفصل فعليًا عنها بعد انتخابات مكتب الإرشاد  نهاية عام 2009، ثم ترشحه للرئاسة كمرشح توافقي بين التيارين الإسلامي والليبرالي في انتخابات 2012 التي حاز فيها على ما يربو عن أربعة ملايين صوت، وظل الرجل منخرطًا في العمل العام مع استمرار مشروعه السياسي في الانتشار من خلال حزب مصر القوية، حتى حلت نكبة الانقلاب  الذي وضع د. أبو الفتوح على قوائم الإرهاب قبل أيام! وهنا تثور عدة تساؤلات حول خلفيات الحدث ودلالاته:

– ألا ينبغي على الجميع مراجعة مواقفهم وخطاهم السابقة إزاء النكبة التي حلت بمصر على يد الثورة المضادة التى قادها العسكر بدعم وتحريض صهيو خليجي، وإذا سلمنا بأن الإخوان قد تم التغرير بهم وافتقدوا للمرونة الكافية للانسحاب من كرسي الرئاسة، وقطع الطريق على مخطط الانقلاب العسكري، فهل هذا يعفى شركاء ثورة 25 يناير من إجراء مراجعات حقيقة، ليس فقط لمواقفهم إزاء انقلاب 3 يوليو، وإنما أيضًا لمجمل أفكارهم عن أساليب تفكيك منظومة العسكر المخابراتية والنجاة بمصر إلى حكم ديمقراطي مدني مستقل.

(فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة … وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم).

في حديثه الأخير ذكر د. أبو الفتوح أنه لم يندم على قرار حزبه النزول في مظاهرات 30 يونيو موضحًا أنه لم يهدف للانقلاب على الديمقراطية، وإنما لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وذكر نصًا أنه إن فشل د. مرسي في إدارة الدولة وقتها ينقسم إلى 25% يتحملها الرئيس وحزبه و75% نتيجة تآمر الدولة العميقة لإفشاله ، ولكن الغريب أن د. أبو الفتوح لم ينكر أن الحشود الأكبر قد دفعت بها أجهزة الدولة العميقة، فهل غاب عن إدراك د. أبو الفتوح وخلصائه أن مشهد صنعته الدولة العميقة وحشد له إعلام الثورة المضادة فى رعاية الجيش والشرطة، لابد أن ينتهى حتمًا بانقلاب عسكري ينسف كل مكتسبات ثورة 25 يناير، هل غابت عنه تلك الرؤية في ذات الوقت الذي حذر فيه الكثير من الليبراليين المعارضين للإخوان (الناشط وائل عباس مثالًا) من 30 يونيو وتبرأوا منها.  

هل من المنطق أن يوفر قامة ثورية كبيرة مثل د أبوالفتوح غطاءً سياسيًا لتظاهرات رتبتها قوى الثورة المضادة، واستبقها البلطجية بإحراق مقرات الإخوان والحرية والعدالة؟ أم أنه قد شارك النخبة العلمانية فى رؤيتها التي صرح بها منذ أيام د. مختار كامل حين أقر بتفضيلهم للفاشية العسكرية على الفاشية الدينية المزعومة؟

ثوريون ضد شركاء يناير وإصلاحيون مع العسكريتاريا الفاشية!

إن التناقض الواضح بين الوجهين الثوري والإصلاحي  لحزب مصر القوية ومؤسسه أثر سلبًا على خطاب الحزب الذي أضحى مثارًا للتندر بين شريحة واسعة من مناهضي الانقلاب، فبينما ظهر الوجه الثوري في مواجهة رئيس مدني منتخب مغلوب على أمره، فقد توارى تمامًا وظهر وجه المعارضة الإصلاحية في وجه الانقلاب الدموي، إذا كان من الممكن تفهم مشاركة د. أبو الفتوح في اجتماع 6 يوليو2013 مع عدلي منصور والعسكر ومطالبته بإجراء استفتاء على عزل الرئيس المنتخب والإفراج عن القيادات السياسية المأسورة، فإنه من العسير جدًا فهم السر في اعتراف حزب مصر القوية بشرعية الانقلاب ودستوره بالرغم من ظهور وجهه الدموي في مجزرة رابعة والنهضة، توالي إجراءات تأسيس الديكتاتورية ونسف كل ما يمت لـ25 يناير بصلة، حتى أن د. أبو الفتوح طالب دمية العسكر عدلي منصور بالتخلي عن السلطة في أبريل 2014! والأغرب هي تصريحات د أبو الفتوح التي محت تمامًا وجهه الثوري قبيل اعتقاله حين طالب قائد الانقلاب الذي أسس حكمه على قتل الآلاف في الشوارع واعتقل عشرات الآلاف وذبح الديمقراطية بأن يتخذ هيئة استشارية لتصحيح مسار البلاد! فلماذا كان الرجل ثورًيا ضد رئيس شرعي من رحم الثورة، ثم انقلب اصلاحيًا إزاء  نظام  فاشي ارتكب مجازر جماعية لم يشهد لها تاريخنا الحديث مثيلًا؟

إن الموقف من انقلاب 3 يوليو وآثاره الديكتاتورية والدموية هو موقف أخلاقي ومبدئي ضد الحكم العسكري والثورة المضادة، وعدم الاعتراف بشرعية نظام 3 يوليو وكذا بشرعية سفاح الانقلاب هو واجب يرتبط ارتباطًا شرطيًا يتعلق بمصير تلك الثورة ومستقبل هذا الوطن، ولا يمت بصلة لا للاختلاف العميق مع الإخوان ولا لفشل د. مرسي في إدارة الدولة، وهو ذات الموقف المقاوم الذي اتخذه سياسيون بارزون معارضون للإخوان، من أبرزهم (م. أبو العلا ماضي – أ. عصام سلطان – د. أيمن نور – د. سيف عبد الفتاح).

ويا ليت البعض يتذكر أن من كبل حرية الرجل وأمم حزبه ليسوا الإخوان ولا أنصارهم، بل هو النظام الفاشي المتصهين الذي دمر مقدرات المصريين على مدى أربع سنوات ونصف، فهلا قصدنا البحر وخلينا القنوات؟ ومن جهة أخرى ما الفائدة من فضح جرائم السيسى وعصبته، بينما يصر شركاء الثورة على التخبط في دياجير التيه والشتات، وكأن أحمد مطر وصف حالنا حين قال:

لا تلوموا نِصفَ شِبْرٍ

عن صراطِ الصفِّ مالْ

فعلى آثارهِ يلهثُ أقزامٌ طِوالْ

(آباءُ رغالْ) كُلُّهم في ساعةِ الشدّةِ!

هو منذُ البدءِ أَلقى نجمةً فوقَ الهلالْ

ومن الخيرِ استقالْ

هو إبليسُ .. فلا تندهِشوا

لو أنَّ إبليسَ تمادى في الضَلالْ.

نحنُ بالدهشةِ أَولى من سِوانا

فدمانا .. صبغتْ رايةَ فِرعونَ

وموسى فلَقَ البحْرَ بأشلاءِ العِيالْ

ولدى فرعونَ قد حَطَّ الرِحالْ

ثُمَّ ألقى الآيةَ الكُبرى

يدًا بيضاءَ .. من ذُلِّ السؤالْ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد