رجل يتناول قهوة الصباح، سارح في الأفق البعيد، يعقد الصلات والوشائج بين المتباعدات ثم يخرج لنا تراتيل يسمّيها شعرًا، هكذا اعتادت الدراما المعاصرة أن تصوّر لنا الشعراء اليوم، ومن هنا اعتاد الشعر أن يتصادق مع الخيال لينسكب الفنّ مزيجًا بين الحلم والغناء، و من هنا نفهم المقولة التي تداولها النقّاد القدامى: «أعذب الشعر أكذبه».

ولكن لحسّان بن ثابت – شاعر رسول الله – رأي آخر، أليس القائل:

وإن أشعر بيت أنت قائله … بيتٌ يقال إذا أنشدتَه صدقا

في آخر العصر العبّاسي، وفي دولة بين حمدان المرابطة على ثغور الدولة الإسلامية مع الروم، بزغ نجم أبي فراس الحمداني، أبو فراس الذي كان فعله يسبق قوله، وكان سيفه أمضى من لسانه، وبأسه في الحرب لا يقلّ عن بأسه في الشعر، وكأنه امتداد لشعر فرسان العرب واستمرار لمآثرهم!

معالم النبوغ

أولاً: حين تصدّق الأفعال الأقوال

من يقرأ شعر أبي فراس يلمس شخصيّة الرجل الفارس النبيل، الذي يترفّع عن السفاسف، ولا يرضى إلا بالمكرمات، فهو عصيّ الدمع وإن فتك به العشق وتخلّى عنه ابن العم، وهو الذي يرى أن الكريم هو الكريم بنفسه ولو أنه عاري المناكب حافٍ، وهو الذي يرى أنّ له الصدر دون العالمين أو القبر، وهذه المعاني منثورة في شعره كثيرة متداولة.

ثانيًا: الاعتماد على اللغة السهلة لا على الصنعة

في العصر العباسي انتشر التكسّب في الشعر لا سيما مع تكاثر الأمراء، وغدا الشعر صنعة يتفنّن فيها أصحابها، كما يتفنّن الرسّامون في زركشة الزخارف.

من أمارات ذلك انتشار فنون البديع كما لمسناها عند مسلم بن الوليد وغيره، أمّا أبو فراس فقد حذا حذو العرب الجاهليين في إيثارهم للمعنى الذي يأتي به الطبع دون كلفة ولا تعقيد.

ثالثًا: إبداعه لما يسمى بشعر الروميّات

يبقى الشاعر شاعرًا مغمورًا حتى يترك بصمته على الشعر، ومن هنا ترك لنا أبو فراس تراثًا مستحدثًا من قصائده في الأسر التي يستعطف فيها ابن عمه سيف الدولة، والتي غدت أيقونة مسجّلة باسم أبي فراس لا تكاد تجد له نظيرًا فيما قبل أو فيما بعد.

عصر أبي فراس الحمدانيّ

كانت دولة بني حمدان تحمي ثغور الدولة العباسية من حلب حتى الموصل، وكانت المناوشات على أشدّها مع الروم، وكانت تلك الظروف بيئة خصبة للتنافس بين الشعراء للتغنّي بمآثر سيف الدولة الذي جمع حوله الشعراء والأدباء والفلاسفة وأكرمهم أيّما إكرام، وأغدق عليهم من عطاياه.

ولكن من سوء حظّ أبي فراس أنه كان معاصرًا لمالئ الدنيا وشاغل الناس أبي الطيّب المتنبي، فأي شمس تسطع إن أشرقت شمس المتنبيّ!

أضف إلى ذلك فقد كانت نفس أبي فراس عظيمة، وكان فارسًا من طبقة النبلاء، فلم يكن يتزلّف للأمراء كما كان يفعل غيره، وهذا ما جعله في موضع المنافس المخيف للأمير لا التابع المتزلّف المأمون الجانب!

ومما زاد الأمر سوءًا هو خوف سيف الدولة على الكرسيّ من ابن عمه أبي فراس، وهذا ما يفسّر تلكؤه الطويل في دفع الفدية لإخراجه من الأسر.

لكن لا ينبغي لنا أن ننسى ها هنا أن أبا فراس تعلّم على يد ابن خالويه، وقد شكّل معه حلفًا قويًّا أدى في النهاية إلى إبعاد أبي الطيّب المتنبيّ من مجلس سيف الدولة في الحادثة الشهيرة التي أدّت إلى سفر أبي الطيب إلى مصر.

ختامًا

استطاع أبو فراس أن يكسر الصورة النمطية الحالمة المنفصمة عن الواقع التي ساهم في ترسيخها معشرٌ أجاد المنطق الخلّاب متناسين صدق التجربة، وأن ما خرج من القلب وقر في القلب، وما خرج من اللسان فلن يتجاوز الآذان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد