جميعنا في مراحل عديدة من حياتنا تشوبنا التساؤلات والشكوك التي تتهاطل علينا كالمطر الغزير، من أنا؟، وما الحياة التي يجب أن أحياها؟، هل الله حقًا موجود؟، وكيف يمكنني أن أحقق تلك العلاقة السامية التي تربطني به مباشرة؟ إن كثيرًا منا غرق في أعماق شكوكه وأكلته شرارة معرفته. في هذا المقال، سنحاول التحدث عن عالم من علماء الإسلام الذي راودته هذه الشكوك، والتي أردته مريضًا بالكآبة والحزن. وسنتعرف على ما الذي سيغير من حياته رأسًا على عقب.

أبو حامد الغزالي (450 هـ – 505 هـ / 1058م – 1111م). هو عالم من أكبر علماء الإسلام على مر العصور، ولعل لقبه «حجة الإسلام» كافيًا ليبرهن لنا قيمته باعتباره عالمًا. لن نتحدث عن حياته وبداياتها كثيرًا، كل ما سنقوله أنه تعلم في صغره قليلا من العلم، وبعد ذلك في مراهقته جعل تركيزه على حفظ أغلب الكتب الدينية والصوفية، أعجب به الحاكم وأرسله ليكون معلم العلماء ببغداد، عاصمة العلم آنذاك، وكان ذا قيمة وذا مالِِ يكفي لعيش حياته كاملة دون أن يكد أو يعمل.

لننتقل الآن إلى موضوع هذا المنشور بسرعة، سنتحدث عن رحلة البحث عن الله، قد تبدو هذه الكلمة مستفزة نوعًا ما للقارئ، ولكن أعدك أن تكمل القراءة ولا تخطئ فهميِ بداية من الآن. أبو حامد الغزالي هو عالم معروف، وهو الذي تأثر به علماء غربيون كثر، وفلاسفة كذلك. من العرب والغرب، لذلك فأنا أحكيِ عن تجربته هو، وعن ما روى عن نفسه، ولست أعطيِ أي انطباع شخصيِ هنا. حسنًا، على مر التاريخ مر ناس عظماء  نقلوا لنا التجربة الروحية التي عايشوها، ومن بين هذه التجارب نقف على الإمام حجة الإسلام «أبو حامد الغزالي» تجربة الإمام الغزالي رحمه الله تجربة مهمة يُستحق الوقوف عليها فلسفيًا على وجه الخصوص.

بعد سنين طوال من الفلسفة والعلم الشرعي وعلم الفلك وعلم الكلام وعلوم أخرى بهدف استيعاب كل ما يدور حوله وتحليله، وفي نهاية الثلاثينيات من عمره، هاجمه الشك! وليس أي شك، لقد شك في وجود الله وفي الدين وفي الحياة كلها. إلى درجة أن شكه هذا جعله طريح الفراش لمدة طويلة. حتى أنه كان يقصد للمدرسة التي كان يدرس بها العلم الشرعي ويحاول التكلم من أجل أن يلقي الدرس ولا يستطيع النطق! الشك أخرس لسانه، يقولون الناس في تلك الفترة أن الله أخرس لسانه ليعيد التفكير في طريقة نظره للحياة، وفي حبه للملذات ويرجع لله، لكن أنا أظن أنه لم يستطع أن ينطق لأنه كان شخصًا صادقًا ومحترمًا فلم يستطع النطق بشيء ويشرحه للطلاب وهو أصلا يشك فيه، ويمكن أن يكون قد وصل لمرحلة الرفض له، حيث يقول الإمام الغزالي: «إذ أقفل االله على لساني حتى اعْتُقِل عن التدریس، فكنت أجاهد نفسي أن أُدرس یومًا واحدًا تطییبًا لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ینطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطیعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنًا في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب: فكان لا ینساغ لي ثرید، ولا تنهضم لي لقمة؛ وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج».
الغزالي اشتد عليه الحال فقرر تغيير حالته، وجمع أغراضه وقام بالتخلي عن عمله وأولاده وزوجته وانطلق في رحلة دامت 11 سنة من التصوف والتأمل واستخدام للعقل بحثا عن الله ونور الله، ولو كان إيجاد الله أمر سهلًا لن يأخذ هذا العالم الجليل المثقف الذكي كل هذا الوقت وهذا الجهد، حين عاد من رحلته باستنتاج صوفي وهو أنه يستحيل أن نجد الله بعقولنا، ولكن العقل ليس كل شيء وقد نجد الله بقلوبنا، وأن الشك يذهب بنور يقذفه الله في القلوب ولا يذهب بالعقل والتفكير، كتابه «المنقذ من الضلال» و«إحياء علوم الدين» لخص فيه تجربته العلمية والفلسفية والروحية خلال الرحلة.

كخلاصة في النهاية، إن على كل شخص فينا أن يبحث عن الله، فإن الشيء المسلم به لن يجعلنا نصل أبدًا لتلك الرفعة التي تمكننا من التواصل مع الله بقلوبنا أو الشعور به، لو كان الأمر بتلك السهولة لما عانى عالم كهذا من كل هذه الكآبة والحزن التي انقلبت سعادة وبساطة بعد رحلته وتفكيره المعمق والطويل في وجود الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد