قال لي أبي يومًا كلمة، ظلت عالقة في ذهني: ما أريده منك أن لا تصبحَ لاعب كرة قدم، مثل: «أبو تريكة»؛ لأنك ـ بطبيعة الحال ـ لا تلعب كرة القدم، ولا هي هوايتك، لكن ما أوده ـ بشده منك ـ أن تصبح في مثل أخلاق «محمد أبو تريكة».

انظر كيف تكون أخلاقه داخل هذا المستطيل الأخضر، وأيضًا خارجه، ابتسامة تعلو الوجه دائمًا، تُفرح وتذهب ما بداخلك من حزن، تواضع شديد، حب من الجميع، تعامله وبساطته وتلقائيته.

منذُ أن كان عمره سبع سنوات، وتحديدًا في شوارع «ناهيا»، بدأ لعب الكرة، ولأن أسلوبه فريد؛ يتمتع بالذكاء، بالموهبة، لاحظ الجميع أنه يمتلك مقومات اللاعب الذي سيجعل من الكرة شيئًا ممتعًا.

بمجرد أن لمس هذا اللاعب الكرة، وأنا عشقتها، وتابعتها جيدًا، يتعامل معها بحرفية شديدة، هي كرة، وستظل كرة، لكن لمستهُ لها بقدمه، من هنا تبدأ الحكاية، حكاية المتعة والإثارة، يأخذك لعالمه هو شخصيًا، للشئ الذي طالما أحبه، واجتهد من أجله، وحارب من أجل الوصول إليه.

تخرج عبقريته في لمساته، و«تصليحاته» وأهدافه، يمر ويراوغ ويخترق من هنا ومن هنا، تطاوعه الكرة، تذهب وتأتي معه، أينما يريد  يجعل منها شيئًا سحريًا، ولا عجب من هذا؛ وهو الساحر!

أمير القلوب لقبًا، يستحقه عن جدارة؛ فهو قد تملك من قلبي، ومن قلوب الكثيرين، جعلني أحب الكرة، أشاهدها، والأكثر من هذا، أستمتع بها، وهو يلعبها.

الالتزام الديني، والمصحف الذي لا يفارق يده، قواعد اللعب النظيف، والتزامه بها، يلعب ليسعد الجمهور، كل هذا جعله حالة خاصة منفردة، بمكانة خاصة ليس في قلوب المصريين فقط، أو جمهور ناد فقط، بل جمهور العرب، والكثير من أفريقيا، وعلى المستوى العالمى.

كنتُ أرى «أبو تريكة» على الشاشة يتحدث، ويقول:«الخطيب أسطورة لن تتكرر».

«أسطورة تتحدث عن أسطورة»، أسطورتان ساهمتا في بناء الكيان، والوقوف بجواره في أزماته، وعدم التخلي عنه، ولأن الجمهور جزء لا يتجزأ من الكيان، لذا كان، ولا بد من إنسان مثل «أبو تريكة»، أن يقف بجوار الجمهور وضحاياه، أن يهتف معهم، وعن حق الشهيد الذي ذهب ليشجع ناديه، لم ينظر لوقف من ناد، أو عتاب من أحد، أو تشويه في صورته، لم يبال، لكل هذا هو يفعل ما يراه حقًا وواجبًا عليه، تخيل أن هناك مشجعًا جاء يشجعك، وفجأة تراه يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديك! كيف سيكون شعورك حينها؟ سوف أترك لك أن تتخيل!

بعد الحادث الأليم لم يترك أهالي الشهداء، وليس هذا بالأمر الجديد على «تريكة»، هو لم يتخل عن إنسانيته، تذكر تعاطفه مع غزة، وهذا كان في عام 2008، أثناء العدوان الإسرائيلي الشرس والهمجي علي غزة، وكان القميص مكتوبًا عليه «تعاطفًا مع غزة»؛ ليباع القميص في مزاد خيري، لصالح صندوق توفير الدواء لأبناء غزة أقامته لجنة الإغاثة الإسلامية بنقابة أطباء مصر، وعندما سئل لاعبنا الخلوق عن السبب في ارتدائه القميص، قال: إن «الحصار الجائر الذي كان يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة أثار ألمًا شديدًا في نفسه، وجعله يبحث عن أي وسيلة يساعده بها».

عندما اختير «أبو تريكة» سفيرًا لبرنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، وصف أبو تريكة عمله هذا قائلًا: «الإسلام يعالج الفقر من خلال الزكاة؛ لأن الغني يشعر بمحنة الفقراء، ويجب علينا أن نساعد الفقراء بقدر الإمكان؛ حتى لا يشعروا بالغربة في المجتمع».

وقام أبو تريكة بتصوير إعلان إنساني تليفزيوني، مدته ثلاثين ثانية؛ يركز على مأساة وفاة حوالي 25 ألف شخص يوميًا من الجوع، منهم 18 ألف طفل. ويعلق «أبو تريكة» على هذا الإعلان الإنساني، قائلًا، إنه انتابه إحساس أثناء تصوير الإعلان برغبة عارمة في مساعدة هؤلاء المحتاجين بقدر الإمكان، كما أعرب عن استعداده التام لزيارة أي بلد أفريقي؛ ليوجه رسالة إلى باقي نجوم الرياضة عن محنة ومعاناة ملايين الأشخاص من الفقر والجوع.

هذه لمحات إنسانية من إنسان.

في يناير من هذا العام تم تصنيف لاعبنا الخلوق وأمير القلوب ضمن قائمة أساطير كرة القدم من قبل «الاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاء كرة القدم».

لم يكن للكرة متعة بالنسبة لي، إلا بوجود محمد «أبو تريكة» فيها، لم أتمتع يومًا بمشاهدة مباراة، بعد اعتزاله الكرة.

الخلوق، «الماجيكو»، أمير القلوب، صانع السعادة.

شكرًا؛ لأنك علمتني كيف أكون متواضعًا، وكيف تكون الأخلاق والمعاملات مع الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد