من عمّان حملته الطائرة إلى الكرك؛ لتناول «المَنْسَف», وصل الأمر للملك «عبد الله الثاني», فاشتاط غضبًا من فعلته؛ إذ لم يسبق لرئيس وزراء أن تنقل بين مناطق المملكة بواسطة  مروحية «هيلوكبتر».

عراب الخراب

بعد انتهاء حفلة «المنسف», أخذ إجازة للاستجمام, وتوجه إلى سويسرا, في هذه الأثناء، كان الملك في زيارة إلى دبي؛ مجتمعًا بالعديد من رجال الأعمال، الذين اشتكوا من تصرفات الرجل، واستغلاله لمنصبه بما يخدم مصالحه، ومصالح من حوله, هاتان الحادثتان عملتا على طرد أطول الحكومات الأردنية عمرًا؛ إذ بقيت ثلاث سنوات عجاف, بدأت في عام 2000، وانتهت في عام 2003.

عاث في الأرض فسادًا: إذ زرع 212 قانونًا مؤقتًا, بمعدل قانون ونصف كل جلسة,  فرضت على العباد. وهندس ملف «التخاصية»، فهو عراب الدكتور «باسم عوض الله», روج لمشاريع «الكازينو», وتوسعة مصفاة البترول؛ باعتباره رجل النفط القوي في الأردن, إضافة إلى  زيادة التأمين, والسيطرة على شركات المقاولات, وشركات النقل والحديد, وفوق كل هذا إلغاء: القانون العثماني الخاص بالبنوك.

في ذات الوقت عمل الرجل على تأسيس شركات في جزر الإعفاء الضريبي؛ لتسهيل مصالحه في الأردن, بمعنى أنه كان يصدر القوانين التي تخدم مصلحته أردنيًا, ويؤسس شركات تجني أرباح قوانينه وخصخصته في الخارج؛ لتجنب دفع المستحقات الضريبية المترتبة على أعماله, ودون أن يظهر اسمه، أو اسم أي من أفراد عائلته.

إقالة الرجل جاءت وهو يستجم في «جنيف», عندما عاد إلى المملكة توجه إلى الديوان وقابل الملك, الذي قام بطرده, وتكليف «فيصل الفايز» خلفًا له.

بطل الدوار الرابع بلا شك, يمكن اعتباره أخطر رئيس  وزراء مر على الأردن, ضرب قواعد وزاراته و مؤسساته, وكان سببًا في اشتعال صراع مرير قادم، هو أحد محركيه بين «باسم عوض الله» رئيس الديوان الملكي، ومدير المخابرات «محمد الذهبي», آنذاك.

وثائق «بنما»

طرحت وثائق بنما – التحقيق الخاص بالأردن, جاء بعنوان «الفردوس خالد شاهين المجهول», من إعداد الألمعي «مصعب الشوابكة» والفذ «عماد الرواشدة»، كواحد من أكثر المتعاملين في شركات «فور شور»، والتي تم تأسيسها بهدف تجنب الضرائب, وتعزيز وتكريس سياسة السيطرة على مؤسسات ومشاريع الدولة ومواردها التي قام بخصخصتها لصالحه.

لكن هذه الوثائق لم تحمل في جعبتها عوامل حقيقية لتغيير نمطية العمل الحكومي؛ فالحكومات جزء من المشاكل, بل شريكة فيها.

كما لن تغير من نمطية التفكير الشعبي الذي سيأخذ المعلومات، التي سربتها وثائق بنما, باعتبارها أخبارًا عابرة, لا تدعو ولاتحرك, وكأن الأمر لا يعنيها.

من الطبيعي جدًا أن ينكر ما كشفته الوثائق, ومن الطبيعي أن ينكر علاقته ببعض الأسماء التي ارتبطت به وبمشاريعه.

ملايين «الدنانير» تم السطو عليها باسم الشركات, وبدعم منه, دون أن تسأله الدولة بأجهزتها عن الأسباب – مع أنها تعلم دبيب النملة – أو من أين لك هذا؟ حال الرجل كالكثيرين ممن استغنى بشكل فاحش من مسئولي الدولة وسدنتها.

لماذا يخافونه؟

الرجل، وخلال رئاسته للحكومة, اطلع – احتفظ – بشكل أو بآخر، على أهم أسرار الدولة ذات الطابع الحساس الخطير, والتي لا يعرفها إلا عدد محدود من المسئولين الأمنيين.

عندما أقيلت حكومته, وانتشرت قصص تسجيل الأراضي الأميرية باسم الملك عبد الله الثاني, وهو ما شكل صدمة للمجتمع, أطل «البطل» عبر فضائية «رؤيا» للدفاع عن نفسه, واعتبر تسجيل الأراضي، ليس إلا تنفيذًا لقرارات من مرجعيات عليا, أوصلها رئيس الديوان الملكي آنذاك «سمير الرفاعي» له.

الأدهى من ذلك, أن الديوان الملكي أصدر بيانًا توضيحيًا، في ظاهره ينتقد رئيس الوزراء, وفي باطنه يدين الملك, ويجعل من رئيس الوزراء ندًا له, مرهوب الجانب!

استمر الرأي العام في تداول قصص وبطولات الرجل, الأمر الذي حمله على التوجه إلى لبنان، ومنها إلى أوروبا, من هناك أظهر نابه الأزرق مهددًا الدولة بكشف الأسرار الوثائق – فضح الطابق كله – التي بحوزته؛ إن هي استمرت في تجييش الرأي العام ضده, بمعنى آخر هو في فعلته عمل على ابتزاز الدولة الأردنية, وهي المرة الأولى التي ترضخ فيها الدولة؛ نتيجة ضغط أحد أبنائها.

يا ترى ما هي الأسرار التي احتفظ بوثائقها الرجل, ومن هم أبطالها؟

ومم تخاف الدولة أن كشفت الأسرار التي بحوزته؟

من يجرؤ؟

عودة إلى وثائق بنما التي تطرقت إلى دوره في تجنب الضرائب, والتي أنكر علاقته بها عبر تصريح خاص لموقع «CNN» الأمريكي الإخباري. هنا، من حق الشعب أن يسأل حكومته, التي تدعي خلوها من الفساد, هل هناك رقابة فعلية على الشركات الأجنبية وأصحابها من مسئولين أردنيين, أم أن تعاملهم يتم باعتبارها الشركات أمريكية أو بريطانية لا تخضع للقانون الأردني؟

ثانيا: إن كانت الوثائق تقول بامتلاك رئيس الوزراء الأسبق لهذه الشركات قبل وبعد استلامه لمهامه, هل أخضعت أموال الرئيس للضرائب؟ وكم قيمتها؟ أم تراها إلى الآن تخاف الاقتراب منه, سيما أنها حسب ادعائها تملك الولاية العامة وسلطتها؟ هل الحكومة اليوم مطالبه بإعادة فتح ملفات شركات التأمين, والبنوك، وتوسيع مصفاة البترول, وملف التخاصية من جديد, أم تسجل القضايا ضد مجهول, سيما أن العالم يعلم حقيقية للصورة, التي تتجاهلها أو تنكرها الحكومة؟ أم تراها قد أخذت توجيهات مسبقة، بإصدار قرار بمنع النشر في هذا الموضوع تحديدًا؛ لأنه يؤثر على اقتصاد البلد واستثماراته, وكأنما أفعال المسئولين وسرقاتهم وفسادهم لم يؤثر، ويصيبها في مقتل, ويجعل منها مستنقعًا حقيقيًا لكل أفعال غسيل الأموال والتجنب الضريبي, وغيرها من الأعمال القذرة التي تننافى مع القوانين الناظمة لدولة تعتبر نفسها دولة قانون ومؤسسات.

هل كتب علينا في الأردن أن ننتظر تسريبات من الخارج؛ حتى نعرف حقيقة ما يدور في أروقة الحكومات وعائلاتها من صفقات ومشاريع وبيوعات للبلد وأراضيها ومؤسساتها ومواردها؟ وهل نظرة الشعب لطبيعة عمل الحكومة، ومشاريعها، والمسئولين فيها, ستختلف بعد تسريبات بنما عما كانت قبله؟

الخلاصة: لا ولن تجرؤ الحكومة الأردنية الحالية أو القادمة على مواجهة رئيس الوزراء الأسبق خوفًا من نشر الأسرار التي بحوزته, والتي قد ينتج عنها الكثير من الفضائح الكبرى، خصوصًا ما لها ارتباط بزيادة مديونية الأردن، وإغراقه وجعله عرضة للانهيار بفعل عوامل ذاتية داخلية هم أصحابها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أبو الراغب
عرض التعليقات
تحميل المزيد