تحدث ستيفن أر كي، في كتابه «العادة الثامنة» مطولًا عن عقليتي الوفرة والندرة. وكيف أنه لا يمكن أن يخلو المجتمع أوالبيت الواحد من أيهما.. ولنتحدث عن عقليتي الوفرة والندرة عند الناس باستفاضة، علينا أولًا أن نبدأ بتعريف بسيط لكل منهما..

عقلية الوفرة: أن تؤمن أن هناك فرص وخير في العالم يكفيان الجميع، فلا تحتاج أن تتنافس مع أحد ولا تضطر لمصارعة أو إيذاء أحد حتى تكسب أنت وتصل لأهدافك.
عقلية النُدرة: أن تؤمن بأن الخير والفرص الموجودان في هذا العالم محدودان وبقدر مُعين، كأن تتلخص الفرص في فرصة وظيفة واحدة، إن لم تحصل عليها؛ فستصبح من نصيب غيرك وستحيا تعيسًا أبد الدهر؛ لأنها قد فاتتك. فلابد أن يوجد فائز وخاسر، بمعنى أن الحياة كلها عبارة عن صراعات وتنافس وتعب ومشقة.

بعد الوقوف على تعريف كل من العقليتين يبدأ الإنسان في تطبيق ما عرف على نفسه أولًا، ثم يتساءل عن الشائع في الناس والمجتمع. ولو سألت أحدهم عن رأيه فيما يشيع في المجتمع من عقلية، كما فعلت أنا قبل كتابة هذه الكلمات؛ فسيأتيك الجواب: بأن الشائع هو عقلية الندرة بكل تأكيد، ويمكن التدليل على ذلك بكافة السُبل. فمعظم الناس يظنون أن شيوع عقلية الندرة هو أمر طبيعي نتيجة نقص الخير، ولا يعتقدون حتى أنه يمكن تغيير ذلك، إلا بأن يبدأ كل شخص بنفسه ويحب الخير لغيره، من مبدأ أن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو كفيل بكل عباده وخلقه.

أو ربما ستسمع كلمات من آخر تدعم  الرأي نفسه فتقول: إن عقلية النُدرة هي السائدة؛ وذلك لأننا نعيش في مجتمع تنافسي، وفي سباق مستمر مع أنفسنا والأيام والناس. ففلان قد ابتاع سيارة وأنا لم أفعل. فلانة قد تزوجت وأنجبت وأنتِ مازلت لم تتزوجي. ذاك الشاب ينظر لها ولم ينظر لي. هو يرتدي أفضل مني. هم يسافرون كل عام ونحن لا نفعل.

سباقات مستمرة وأرواح تعبة ينتج عنها افتقار للقناعة والرضا بما قسم الله تعالى، ربما لأنه حتى الذين منّ الله عليهم بكثير من الفضل والعطاء لا يلحظون ما أوتوا بقدر ما يركزون على مافي أيدي الآخرين. وهذه أرواح مسكينة لن تعرف أبدًا معنى الهناء، لأن السباق الذي هم فيه لن ينتهي مادام الهواء يلامس رئتي كل واحد منهم.

فأصحاب عقلية النُدرة يفتقدون للمصداقية والشفافية مع أنفسهم وغيرهم، نفوسهم يملأها الطمع الذي لا يشبع صاحبه مهما أوتي، وغالبًا ما يكونون من رجال الأعمال الذين لا يعرفون الراحة، والحساد الذين يراقبون الناس في الحل والترحال، وذوي الأحقاد الذين لا يعترفون لأحد بفضل، ولا ينزلون الناس منازلهم، بل وربما الكثير من الكسالى الذين لايحبون العمل ولا السعي من مبدأ أن كل الفرص قد انتهت.

ربما تشرح هذه الكلمات كثيرًا من أفكار أهل الفكر المثقل، فما أكثر الأمثلة على وجود أصحاب عقلية النُدرة في الحيز الذي يعيش فيه كل منّا. من هذه الأمثلة؛ أنك إن شاهدت إعلانًا على مواقع التواصل الإجتماعي فستلحظ بأن مالا يقل عن 85% من المروجين للإعلانات، لا يعلنون عن أسعار المنتجات، ويفضلون إبلاغ العملاء بها عن طريق رسالة قصيرة، ليس لأن سياسة الموقع تمنع إعلان الأسعار، بل لأنهم لا يريدون للشركات الأخرى الوقوف على أسعارهم فتتولد مواجهة شرسة في هذا النطاق، وهذه عدم شفافية من كليهما، ومن المسؤولين عنهم أيضًا؛ لأنه لا رقابة منهم على الأسعار.

يفتح أحدهم دار نشر للكتب مثلًا فلا ينفك يضع صورته، واسمه على كل كتاب يخرج منها، حتى وإن لم يكن هو مؤلفه، فإن لم يكن بالتأليف فبالمراجعة، أو الإشراف على الطباعة أو تحت أي مسمى آخر، وكأنه لا يريد للكاتب أن يحظى ببعض الشرف وحده على ما كَتب. يسافر أحدهم لدولة ما حيث العيش الرغيد والقوانين التي تطبق والعدل السائد، أو يحصل على منحة دراسية وتسأله سؤالاً يبدأ بكيف؟ فلا يعطيك جوابًا كافيًا أو شافيًا.

الغريب أننا من الممكن فعلًا أن نتفهم شيوع عقلية النُدرة قبل الحصول على النعمة أو الوصول إلى الهدف من باب «داري على شمعتك تقيد» أما شيوعها بعد تحصيل النعمة فهو أمر لا يستقيم حتى دينيًّا، لقول الله تعالى: «وأما بنعمة ربك فحدث»  (الضحى)

فمن يفعلون ذلك هم أناس لا يريدون أن يعترفوا بالنعمة بقدر ما لأنهم لا يريدون لغيرهم أن يفعل  الشيء نفسه أو يصل للهدف نفسه، فلا يمرر المعلومة لغيره، ويكتم العلم ليستعظم به على غيره، وهذه مأساة حقيقية. وإن كانت عقلية الندرة تتلخص عند بعض الناس في جزء من الفرص، والأحوال في المجتمعات العربية، فهي تشيع عند الكل في المجتمع الصيني، فتذهب إلى عروض التسوق مثلًا لترى السيدات ينهلن على المنتجات المعروضة، وكأنها هي الأنفاس التي لو لم يحصلن عليها لمتن اختناقًا.

لاحظ الشباب وقت البحث عن عمل يتعاملون مع كل إعلان وفرصة وكأنها آخر فرصة، حتى وإن لم تكن في التخصص الذي درسه مسبقًا، والحقيقة أن وجود طابع ديني ولو بسيط يريح النفس، ويهدأ من روع المنافسات التي لا تنتهي عند أهل الشرق الأوسط، أما في الصين فانعدام التدين، وشيوع الإلحاد هما هدف رئيس في استزراع تلك العقلية وعنايتها حتى استشرت، وتمكنت من كل فئات المجتمع، كما أن الصينيين لا يثقون ببعضهم بسهولة، وقد تداعت عليهم كل أشكال الكوارث ويتوقعون مالا يمكن توقعه من مآسٍ، فيحتاجون لتأمين أنفسهم في كل مجال بشتى الطرق، وعقلية الندرة تلك تخدم تلك المصلحة وذاك الهدف جيدًا.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننكر أن شيوع عقلية الندرة في المجتمع أمر مرهق ومستنفذ للقوى. لكن الأهم أن شيوعها لا يعني بأي حال من الأحوال تقلص وجود أصحاب عقلية الوفرة، فانعدام عقلية الوفرة ينفي وجود الخير في الناس، وهذا لا يصح لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «الخير في أمتي إلى قيام الساعة» ولأن الخير موجود، فعدم لمسه في الحيز الذي يعيش فيه أحدنا لا يعنى انتفاؤه، فهناك من ترعى أيتامًا حبًا في الله وفيهم، وطمعًا في الثواب. هناك من يشارك قوت يومه المحدود مع الفقراء والمساكين.  هناك من يكرم جاره يوميًّا، ومن تطعم الطيور ومن يساعد المحتاج ويقري الضيف ويسهر على رعاية غيره بلا مقابل.

لكن اللافت للنظر في شيوع ووفرة عقلية النُدرة في المجتمع؛ هو لماذا لا نستغل هذه العقلية في النظر للخير، أو العمل الطيب والمساندة والمؤازرة والتعايش؛ لأننا لو آمنا بأن كل فرصة لعمل الخير هي الأخيرة، ما أضاع أحد عمل خير، إلا وقام به ولأصبح كل منّا قدر استطاعته في مكانه وسيلة الحُب والخير. لكنها مسألة أطماع وأهواء ونعوذ بالله من الفتن والمنافسة وحُب الدنيا.

أصحاب عقلية الندرة متعبون ومُتعبون لأنفسهم في كل حيز ومجال. أما أصحاب عقلية الوفرة فهم أهل راحة نفسية ونفوس راضية قبل أي شيء آخر، إيمانهم بالله يمكنهم من تدارك بعض نِعمه، وتقسيمه لأرزاق خلقه وتدبيره لشؤون كل منهم، لأنه تعالى القدير ذو القوة المتين، الذي استحق العبادة بقدرته، ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابس إلا في كتاب مبين، فكيف تقلق من تدبير أمرك مع من يرزق الدودة العمياء في الصخرة الصماء بعد أن سخر لها نملة تحمل رزقها وضفدع يغوص بالنملة وما تحمله لها؟

أذكركم وأذكر نفسي بقول المصطفى (صلّى الله عليه وسلَم):«لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهَرَبُ مِنَ الْمَوْتِ؛ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ»؛ لأن الله تعالى قد ضمنه له. فقال:
«وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا» [هود: 6]

ثمَّ لم يكتف بالضَّمان حتى أقسم؛ فقال:

«وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»

[الذاريات: 22- 23].

ثمَّ لم يكتف حتى أمر بالتَّوكل وأبلغ وأنذر؛ فقال:«وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ» [الفرقان: 58

فإنْ لم يطمئن بضمانه، ولم يقنع بقَسَمِهِ، ولم يبال بأمره ووعده ووعيده؛ فهو من الهالكين

وقال الحسن:«لعن الله أقوامًا أقسم لهم ربهم فلم يصدِّقوه»

وقال هرم بن حيان لابن أدهم:

«أين تأمرني أن أقيم؟
قال بيده إلى الشام.
قال: وكيف المعيشة فيها؟

قال: أُفً لهذه القلوب، لقد خالطها الشَّك فما تنفعها الموعظة»

وأخيرًا كيف لك أن تقلق على الرزق وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:«يقول الله تعالى: يا عبادي. إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي. كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي. كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي. كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي. إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولنتبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي. إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، ياعبادي. لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي. لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي. لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي. إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

فكن في معية الله ولا تقلق، أصلح علاقتك به، وهو تعالى سيتكفل بكل ما تبقى. دمتم في رحابه تعالى مُطمئنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد