مدخل

تعتبر المرحلة الأولى في الدراسة الجامعية إبحارًا عامًا وتثقفًا منتظمًا في مجال ما، لكنها تحدد وبدرجات متفاوتة طبيعة ونوع المجال المهني فيما بعد؛ مما يدلل على أهمية قرار التخصص. وترجعُ عامة الصعوباتُ التي تواجه الطالبَ عند اختيار التخصص الجامعي- إلى سببين:

الأول: ضعف الأنشطة المعززة لهوايات وميول الطلاب في المدارس الثانوية على وجه الخصوص، والتي يفترضُ اهتمامها ببناء روابطَ جيدةً بين أنشطةِ الطالب وطموحاته المهنية، ووضع رؤيةٍ واضحةٍ تدعم هذا الاتجاه.  نشر المهندس ورائد الأعمال الحاج عباس الحاج على صفحته: عادة ما نحتاج لتحديد ومعرفة قدرات الطالب وهواياته؛ حتى نستطيع توجيه ميوله نحو الابداع الذي يرغب فيه.

الثاني: ما يحصل من تجاذب داخل الأسرة عند اختيار التخصص، وهو مظهر من مظاهرِ الفجوةِ النفسيةِ الكبيرةِ ومؤشرٌ لضعف التواصل المعرفي بين الآباء وأبنائهم. وعادة ما يتم اختيار التخصص دون استشارة الابن، ودون مراعاة رغباته وميوله وقدراته؛ مما يؤدي عادة إلى التعثر الدراسي، ومن ثم الفشل، أو التحطم والإحباط، وحرمان المجتمع من مبدعين يعشقون مجالاتهم الدراسية والمهنية فيما بعد. جاء في تحقيق نشرته صحيفة الرياض السعودية قبل أعوام: لا أحد يختلف على حب الأهل لأبنائهم، ومدى حرصهم على متابعتهم، ولا يوجد شك أن كل أب أو أم لا تكتمل سعادتهما إلا وأبناؤهما في أفضل المستويات التعليمية والوظيفية والاجتماعية، غير أن بعض أولياء الأمور يتجاهلون حقوق فلذات أكبادهم ويهمّشون حريتهم في اتخاذ مساراتهم وقراراتهم، بل يُصّرون على تحديد شخصياتهم، من خلال فرض قراراتهم على أبنائهم دون أن يتركوا لهم حرية اتخاذ القرار بما ينسجم مع قدراتهم ورغباتهم.

رسالة إلى الأسرة

وملخص رسالتي أن تحرص الأسرة الكريمة على عدم التضحية بالرغبة الدراسية للابن/ الابنة من أجل رغبة الأسرة أو الشخصية الرئيسة فيها، أو من أجل السباقات الاجتماعية مع الأسر والعائلات الأخرى، وألا نجعل من الابن ضحية للتنافس والغيرة السائدة بين الأسر والأقارب وأبناء الحي.

وتعرّض بعض الأسر أبناءها لما يمكن وصفه بابتزاز نفسي ومساومة قاسية حين يعمد الأب او من ينوب عنه- إلى تحديد مسار الابن/ الابنة كمقابل لما تم بذله من جهد في التعليم والرعاية، واعتبار عدم استجابة الابن لرغباتهم- عدم تقدير لما تم تقديمه من جهد ورعاية وتكاليف دراسية.

وحتى نتجنبَ الصدام بين شغف الابن ورغبته في دراسة تخصص ما، ورغبة الأسرةِ في دراسته لمجال آخر.. أرى أن يبدأ التعرف على اهتماماتِ الابن وميولاته الدراسيةِ والمهنية منذ وقتٍ مبكر، وذلك عن طريق الملاحظة في المقام الأول، أو باستخدام بعضِ النماذج التربوية ذاتِ الصلة، مثل نموذج السيرة الذاتية للطالب ASC، وأن تعملَ الأسرة على رعاية هواياتِ الابن وتنميتها وتوجيهها؛ لتصبحَ رغباتٍ واعيةً وناضجةً، وذاتَ صلاتٍ حقيقيةٍ بواقعه الاجتماعي، وبفرصِ العمل المتوفرة في محيطه. يرى اختصاصي المكتبات والمعلومات حافظ موسى أن استخدام أدوات جيدة في التعرف على ميولات الطالب ورغباته، يعد أمرا في غاية الأهمية لصنع جيل واع بقدراته واحتياجاته في نفس الوقت.

رسالة إلى الطالب/ الطالبة

في مرحلة الانتقال من التعليم العام إلى التعليم الجامعي- يتوجب على الطالب استيعاب التغيرات المصاحبة، وهي في عمومها مؤثرة في اختياره لتخصصه الدراسي، ومن أهمها تخوفه من تغير مجموعة الأصدقاء وهو عامل ذو تأثير كبير في اختيارات الطلبة المقبلين على الجامعة.. ويشق على بعضهم الابتعاد عن مجموعته مما يدفعه إلى المجاملة في اختيار التخصص، وبالتالي الاقتراب أكثر إلى احتمالات التعثر والفشل مستقبلا. يقول الكاتب السعودي محمد الحربي في مقال له بصحيفة عكاظ: لا تجامل أحدًا عند اختيار تخصصك: الوالدين، الأقارب، الأصدقاء، المجتمع، لكن هذا لا يعني الاستغناء عن مشورتهم، وتوجيهاتهم، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم. وتأكد أن اختيار التخصص للمجاملة قد يكلف صاحبه ترك الدراسة بعد قضاء سنوات في تخصص غير مرغوب، أو لايتلاءم مع قدراته العقلية وإمكاناته البدنية.

خلاصة

إن الرغبات الواعية للطالب لا توفر وظيفةً أو فرصةَ عمل فحسب، بل قد تصنع منه مبتكرًا مبدعًا يوفر آلافَ الفرصِ لآخرين، وقد أصبحت المؤسسات  أكثرَ ميلًا للهواةِ والمبادرين وأصحابِ الإنجازات الشخصية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد