دائمًا تفرض الدنيا علينا نظريتنا. تذهب بنا إلى بعيد. تشتتنا. فتاره نستجمع أنفسنا ونستعين عليها بالله فنغلبها. وتارة أخرى تستعين علينا بأنفسنا فننصاع لها. من خلق الله؟ وكيف لخالق يصف نفسه بالكبير أن يعذبنا، ونحن صغار لا حول لنا ولا قوة؟ وكيف يعذبنا ونحن مسيرون في ملكه بأمره، لا خيرة لنا فيه؟

كانت كل تلك الكلمات لصديق قديم لم يراسلني منذ حين من الدهر. تذكرت حينها آخر حوار أجريناه بخصوص ذلك الأمر، وكيف انتهت بيننا تلك المانقشة بشيء من الحدة والعصبية. أعلم جيدًا أن صاحبي هذا لا يناقش إلا ليجهد من أمامه بالتفكير، ومن ثم يجهز عليه فيزيد ضحاياه واحدًا جديدًا. أمسيت أفكر جيدًا فيما قاله. أسعفني الله عز وجل أن صديقي هذا لم يكن متصلًا حينها.

عكفت حينها أتذكر ما لدي من علم ديني يؤهلني للرد على هذا، ربما لم يكن كثيرًا بالقدر المؤهل لذلك. استعنت بالله عليه، وبصديق أنعم الله عليه فتخصص في ذلك. بت أتحسس كل كتاب أتذكره في ذلك الخصوص. كانت حجرتي في تلك الليلة في فوضى عارمة. كنت في موقف لا أحسد عليه حقًا. لم أكن خائفًا حينها؛ فصاحب الحق لا يخاف الحقيقة، ولا يكل، ولا تأخذه في الله لومة لائم، غير أني أخاف أن يقتحم صاحبي ديني من ذاك الثغر الواقف عليه.

ظللت قرابة الساعتين في بحث واتصال، وعند تمامها تفقدت بريد صديقي من جديد. إنه متصل الآن. بادرته: صديقي كيف حالك؟ عودًا حميدًا، أراك بخير اليوم. يرد صديقي بدهشة: حقًا هل أبدو لك بخير! لا تكترث لما أنا فيه وأجبني إن كنت تعلم. حقًا يا سيدي سأجيبك على النحو الذي رتبت، الأول فالأول، لكن قبلها اهدأ وهدئ من روعك، ولا تقاطعني حتي أكمل لك كل نقطة على حدة. ولا تذهب قبل أن ننتهي، هكذا رددت عليه. فأجابني: حسنا تفضل.

أولًا يا صديقي إن الله تعالي هو خالق الخلق جميعًا، حينها وقبل أن اكمل قاطعني لا لم يخلق، بل الصدفة هي من خلق الخلق، لم أكترث لقوله، وأكملت وقد بينت له أنه قد خالف الشرط الأول عندي بمقاطعته. وأكملت: إن الخالق والمخلوق نقيضان، ولا يجتمع نقيضان على صعيد. وإنك كمخلوق ترى بعقلك المحدود كل شيء مخلوقًا سواك، وأن الله تعالى هو أكبر من ذلك، وأكبر من عقولنا كبشر أن نفكر؛ فذلك طبقًا لكلام الفيلسوف الألماني عمانويل كانت، والقائل بأن العقل لا يستطيع أن يحيط بالحقائق غير المحدودة، وإنه مهيأ بطبيعته لإدراك الجزئيات فقط، بينما لا يستطيع إدراك الوجود الكلي مثل الوجود الإلهي. والله يقول في حديثه القدسي: أنا يستدل بي ولا يستدل عليه.

أما الثانية يا صديقي فقولك: إنك صغير عائد إلى شيء بداخلك. أما الإنسان بطبيعته فقد كرمه الله تعالى، ولقد كرمنا بني آدم، وكيف تستصغر نفسك وقد أثبت العلم بعد قدرة الله تعالى أنك حيوان دون 50 مليون حيوان منوي استطاع أن يصل إلى رحم أمك ويخصب البويضة، ثم تصبح جنينًا، ومن ثم تأتي إلى هذا العالم ليبتلينا الله بك.

بل إن الله تعالى قد خلقك ونفخ فيك من روحه. والله تعالي قد أمر الملائكة بالسجود لآدم أبي البشر، بل إنك تنظر إلى نفسك مقارنة بالكون الفسيح من حولك.

أما عن عذاب الله لك، فذاك عذاب بذنب، لا عذابًا مطلقًا، وإنك تنظر إلى الذنب بعين نفسك كصغير، لكن الله حدد كل ذنب بعقوبة، فلو أنك مثلًا موظف بشركة ما تمنع استخدام الهاتف في ساعات العمل، وقد خالفت ذلك، وعوقبت بخصم مالي، فهل تعتقد مثلًا أن صاحب تلك الشركة كان ينتظر هذا المال منك أو من غيرك؟ بالتاكيد لا، لكنك أذنبت ووجبت عليك العقوبة بمقتضى ما اقترفت، دون النظر إلى القاضي والمتهم.

ضحك صديقي وبدت الفرحه في كلماته، وبادر يقول: إذًا أنا مسير في هذا الكون بحكم قوانين الله لا مخير فيما أفعل. اهدأ ثانية يا صديقي. حسنا سأجيبك.

أما الثالثة فيما يخص التسيير والتخيير في الكون، أولًا يا هذا، فيما يخص أفعالك والعقاب الواقع عليك من اقترافه، فهذا بالأساس مقدور عن الله في علمه، قال تعالى: وفوق كل ذي علم عليم.. والله بكل شيء عليم. لكنك غير مكره على فعله، وعندما تفعله تحاسب عليه. والله تعالى قدر في علمه أنك ستخطئ لأنه علام الغيوب، لا أنه يريد لك الخطأ. فأنت مثلًا لو أنك مسؤول بأحد الأعمال، وكان لديك عامل لديه قصور في الفهم، فأنت تقدر في علمك أنه سيخطئ، لكنك لا تكرهه على الخطأ.

بادرني صديقي من جديد يا هذا أتظنني أبله؟ ألم يقل الله في القرآن، إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، كيف يصدقه عاقل بعد هذا الحديث؟ تبسمت وعلمت أن صديقي قد غادر أدراجه من جديد، لكني أجبته. اهدأ يا صديقي؛ فقد يبدو لي أنك تترنح وتهم بالسقوط. أما عن قولك هذا فقد أوقعت نفسك في أمرين. أولهما أن أصدق كلامك، وبذلك يكون القرآن صادقًا وتبطل حجتك. أو أن أكذب قولك، وبذلك يكون النبي عاقلًا صادقًا، وتبطل حجتك أيضًا. وأزيدك علمًا أن الآية تخص نبي الله موسى لا محمد.

أما ما قبل الجواب فكيف لك أن تستشهد بكتاب أنت لا تؤمن به من الأساس، ولا أرى ذلك منك إلا تخبطًا أو إذعانًا منك بنشوب حرب فكرية بيننا لا يخرج منها أحد رابح، ولا تؤوول إلا لنتائج سابقيها من المناقشات.

وأما الجواب، فإن شاهدك صحيح، وهذه آية صحيحة في كتاب الله من سورة الشعراء غير أنها مجتزأة من سياق أكبر.

والسياق هو حوار بين سيدنا موسى وأخيه هارون مع فرعون. والقائل هو فرعون وقد ذكره الله تعالى لينقل لسيدنا محمد سير الأولين، ولتنقل لنا لنعلم ماذا يحدث من هؤلاء الجهال، ولنتعلم كيف نتحاور معهم وليعلمنا الله أن الجاهلين أقوالهم واحدة طوال الأزمنة، ومع تغير الأمكنه من اتهام الرسل بالجنون وعدم الإيمان بوجود الإله مطلقًا وغير ذلك.

أما وقد انتهيت دعني أسألك سؤالًا: كيف لتلك الصدفة الخالقة عندك، وإلهك المصطنع أن تجعل لون الشجر أخضر، أنا لا أحب ذالك اللون. أخبرني كيف أخبرها بملاحظتي تلك؟ وأين هي أحدثها؟ أخبرني صديقي حينها مسرعًا أن لون الشجر ناتج عن نظرية الطبيعة الناتجة من مادة الكلورفيل أو اليخضور والمسؤول عن نظرية البناء الضوئي بالنبات. أجبته اسمح لي يا صديقي كلامك منتقص جدًا.

الكلوروفيل هو المركب الذي يعطي أوراق النبات لونها الأخضر.. يمتص اللونين البنفسجي والأحمر؛ مما يعطي الضوء المنعكس منه اللون الأخضر. ولهذا تظهر جميع النباتات باللون الأخضر، تستعمل الطاقة الممتصة من الضوء في عمليات التمثيل الضوئي.

فعملية البناء الضوئي تتألف من مجموعتين من التفاعلات الكيموحيوية:

تفاعلات ينشطها الضوء وترتطم فوتونات الضوء الصادرة من الشمس بجزيئات اليخضور في عضيات البلاستيدات بخلايا الكائنات القادرة على القيام بالبناء الضوئي في وجود الماء الذي يتحلل إلى أكسجين وأيونات الهيدروجين. وتنقل الإلكترونات من الماء عبر سلسلة من التفاعلات الكيموحيوية؛ ليتم من خلال هذه التفاعلات إنتاج كمية من مركب الطاقة وتحويل مركب وسطي من الصورة المؤكسدة إلى الصورة المختزله.

وتفاعلات تنشط في عدم وجود الضوء (تفاعلات الظلام) ولكنها تتطلب نواتج تفاعلات الضوء لدفع سلسلة من التفاعلات يتم خلالها تثبيت ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي لينتج سكر الجلوكوز ومنه تشتق بقية المركبات العضوية الداخلة في تركيب أجسام النباتات وجميع الثمار التي تشكل جميعها غذاء الإنسان وجميع الدواب والأنعام.

ووصل العلماء إلى أن اللون الذي يبعث السعادة وحب الحياة والبهجة هو اللون الأخضر لذلك أصبح اللون المفضل في غرف العمليات الجراحية لعرف الممرضين والممرضات. ومن الطريف أن نذكر تلك التجربة التي تمت في لندن على جسر (بلاك فرايار) الذي يعرف بجسر الانتحار؛ لأن اغلب حوادث الانتحار تتم فوقه، حيث تم تغيير لونه الأغبر القاتم إلى اللون الأخضر الجميل؛ مما سبب انخفاض حوادث الانتحار بشكل ملحوظ، واللون الأخضر يريح البصر؛ ذلك لأن الساحة البصرية له اصغر من المساحات البصرية لباقي الألوان.. كما أن طول موجته وسطي فليست بالطويله كاللون الأحمر ولا بالقصيرة كالأزرق.

إذًا فبعد كل هذا كيف لطبيعة غير عاقلة أن تصنع كل تلك الدقه؟ أو ليس الصانع أولى بوضع قوانين صنعته؟ فكيف لهذه الطبيعة بشخصيتها الاعتبارية غير العاقلة أن تضع قوانين لعالم جله من أناس عقلاء؟ وكيف لهذه الطبيعة أن تصنع كل ما حولنا، وهي لا حول لها ولا قوة؟ أو ليس من الأولى أن تضع الصدفة تلك القوانين المسيرة للكون باعتبارها صانعة هذه الطبيعة ومدبر أمرها؟ فكيف ذلك إذًا؟ وما هي آليات صناعة تلك القوانين؟ وما هي مسارات تنفيذ تلك القوانين؟ وكيف يكون أسلوب المراقبة وفاعليتها من ثواب وعقاب لتنفيذ تلك القوانين؟ وكيف لعاقل أن يدبر أمره غير عاقل ولا موجود؟

إذًا أو ليست تلك الصدفة مصنوعة من صنع صانع، ولها مدبر أمر؟ أم أنها صدفة ناقصة حتى تصيب شيئًا وتترك آخر. وتختار شخصًا وتترك آخر. وتحيك مكانًا وتنسى آخر. إذًا أو ليست كل هذه الاستفهامات حجة بينه لسقوط تلك الأفكار المنادية بالإلحاد؟ ألم يخطر ببالك يومًا أن ذلك القدر المسمى صدفة هذا له صانع وحكمة من صنعه؟ فلماذا لا نؤمن به؟ ونتبع قوانين وخطة صنعه؟ أو ليست دعوتي (الله) أعمق وأشمل من تلك الدعوة المنادية باللا دين ولا إله؟ أم أنك ما زلت تعبد تلك الإله المصطنع؟

منذ ذلك الحين وأنا أتفقد بريد صديقي كل يوم لساعات، لكنه قد كسر شرطي الثاني وغادر. ولم يعد متصلًا حتى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد