عالم «السوشيال ميديا» صار عالمًا موازيًا لعالم الواقع: يحيا فيه الناس، ولا يكتفون بالحياة، بل يموتون أيضًا! يموتون بالعزلة، ويتبدَّدون في الوهم، ويغرقون في الفراغ تاركين حياتهم فوضى! بينما يرتِّبون علاقاتهم الافتراضية، ويضيفون المشاهير، وأصحاب الكلام الذي يوافق أهواءهم.

وفي هذا «العالم الماتريكسيّ» بامتياز، كان لي حسابٌ منذ 2008، جاوز متابعوه الخمسة وعشرين ألفًا، وكنت أكتب ابتداء، فيصل ما أكتبه إلى الناس، لكنه ـ فجأة ـ ذهب أدراج «الريبورتات»! منذ مدة تم إغلاقه؛ إثر بلاغات الصهاينة على صورة شعار «كتائب عز الدين القسام»، أثناء الحرب الأخيرة على غزة، ثم عاد بعد جُهد ومراسلات، ثم منذ أسابيع تم حذفه؛ إثر بلاغات «مجاذيب السيسي» على حوار صحفي أُجري معي عن «الدعوة السلفية».

كل من في هذا العالم الافتراضي يتحزّبون، ويعشقون ويعادون، وأيضًا يتطوَّعون، أو يؤجرون،.. هناك اللجان الإليكترونية الرسمية، التي تغلق حسابات مناهضي الأنظمة، أو تتجسس عليهم، وتجمع بياناتهم، وهناك اللجان الإليكترونية التي تتبع الكيانات والأحزاب، وأيضًا تغلق حسابات مناهضيها، وتتجسس عليهم، وتجمع بياناتهم.

وفي كل هذا تنتقل الحروب إلى عالم «الماتريكس»، هذا الذي نعيش فيه: «فيس بوك»، «تويتر»، «إنستجرام» … إلخ، إلى غياهب «الماتريكس»!

الماتريكس التي لم تجد بعد من يبدِّد وهمها، ويعيد الناس منها إلى حقيقة صراعات طحن الأشلاء والدماء التي تصبغ الكوكب، وتحتاج من يتدخل فيها، بنصرة الضعيف على الحقيقة، وإصلاح شأنه بالفِعل، لا بمجرد الكلمات، ونشر الصور والمقاطع المتباكية.

تلك المخدِّرات العاجلة المستمرة التي تريح الضمير، وتخدِّر الأعصاب، وتُسكِّن صراخ النفس من هول مراراتها في جنون!

هكذا الدنيا؛ عناوينٌ ولافتات، لكنها أيضا مضامين! والفرق بين «العنوان» وبين «المضمون»، كما هو الفرق بين غلاف «كيس الشيبسي» البرّاق، وبين بضعة «بُطَيْطِسَات» رقيقة غارقة في زيت؛ بؤسًا بداخله، لا قيمة غذائية لها، ولا لذّة حقيقة فيها!

والفرق بين العناوين والمضامين ـ أيضًا ـ كالفرق بين رجل أشعث أغبر، بلا لحية، ولا زبيبة، لكنه لو أقسم على الله لأبرّه، وبين رجل عظيم جسيم ذي زبيبة، صلاة ولحية وجلباب، لكنه لو سمع صوت داعي الجهاد، ولو بالكلمة لاحتضن النظام وقبّله من جبينه «قُبلة أخوية»!

هل فهمت ما أعني من فرق بين «العناوين» و«المضامين»! إنها اللافتات والشعارات الخادعة بإسلاميتها حين تزين الجاهلية، أوالصمت والسكون في الظاهر الذي يغطِّي على عمل دؤوب لنصرة الإسلام، ومصلحة المسلمين.

العناوين واللافتات تأسرنا، تُأطِّرنا، تحملنا للدوران في حدودها. كأنها الدين والمنهج والأيديولوجيا! لا يمكن لأحدنا ترك جماعته! ولكن يمكنه التنازل عن ثوابت الدين ذاته التي نشأ عليها! ويخشى عصيان قادته! لكنه يطيعهم في ضد ما تربِّى عليه ـ بينهم ـ قديمًا! كيف هذا؟ ولماذا؟ لأن من يفعل ذلك يستعجل الانتصار، وإن كان زائفًا، ويطمع في المكسب السريع، وإن كان زائلًا، ويرغب في العلوِّ، وإن كان مع موجةٍ من وحلٍ نجِس! نعم أكثر الناس كذلك، إلا من رحم ربي، لذلك اشترط الله في أهل الجنة أنهم الذين «لاَ  يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا»!

إنهم لا يريدون العلو لذواتهم، بل يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا ينصرون الفساد مهما أغراهم بالمصالح والمكاسب والشهوات.

لقد ساءني حذف حساب الفيس بوك خاصّتي؛ لأنه كان أداتي في تبليغ ما أريد قوله من نصيحة أو نقد، أو دعوة إلى مزيد خيرات، لكني شعرت بعد السوء بكثير من السعادة حين تذكرت قصةً أطرافها «أربكان» من تركيا، و«الغنوشي» من تونس، و«جاب الله» من الجزائر. والقصة رواها الأخير في برنامج «مراجعات» على قناة «الحوار».

تذكرت ما رواه الغنوشي من أن أربكان جعل شعار حزبه الأخير «حزب السعادة» هلالًا تحيطه خمس نجمات! فقال له الغنوشي «الشعار لا يحتاج تفسيرًا: الهلال هو الإسلام، والخمس نجمات هي أركان الإسلام الخمسة»، فنظر له أربكان ضاحكًا، وقال «لا! الهلال الإسلام، لكن الخمس نجمات هي خمسة أحزاب أنشأتها؛ كلما أنشأت واحدًا سرقه العسكر»! هكذا لم تكن العناوين في حسبان أربكان: ليس مهمًا تحت أي عنوان يصعد، المهم ألا يكف عن الصعود، ولم توقفه التجارب التي لم تنجح، لكن استمر على طريق النجاح، صحيح أنه بعد هذه القصة اعتقل، وألقي به في السجن؛ بتهمة اختلاس أموال من «حزب الرفاه» المنحلّ، «إحدى النجمات الخمس الآفلة»!

لكن من قال أن النتائج غرض في ذاتها! لقد خرج من طيّات حركته «رجب أردوغان» و«عبد الله جول»، لم يتمسكوا بعنوان الرفاه، ولا السعادة، ولم يبكيا على العناوين طويلًا! أسسوا حزب «العدالة والتنمية»؛ ليصل في النهاية إلى نجاحٍ هو أعمق من نجاح أربكان، المهم أن تسعى وتنتهي ساعيًا. وهذا السعي أهم من جني الثمار ذاتها!

الإشكال أن الغنوشي لم يتعلم من الحكاية التي رواها هو عن أربكان! إنه الآن يخلع آخر قطعة من ثوب إسلاميته؛ ليحافظ على اسم «حركة النهضة التونسية» مشاركًا في الحكم، يبدو أنه أحرص الناس على حُكمٍ، أيّ حكم، مهما كان صوريًّا مهينًا!

دعنا من النهضة التونسية، وحرصها على العناوين، أكثر من المضامين! فراوي قصة أربكان والغنوشي والذي سمعها من الغنوشي، هو «عبد الله جاب الله»، مؤسس«حركة النهضة الجزائرية»! وهو نموذج مشرق في باب العناوين والمضامين. رجل سُرقت منه ثلاث حركات بثلاثة أحزاب، ولا يزال على عَهْدِه لم يتغيَّر؛ يُصلِح من داخل النظام، ولا يثور عليه، «نعم»، وهذا أخالفه فيه، لكنه لا يذوب في أمواج مجارير مياه النظام.

أنشأ حركة النهضة فطرده النظامُ منها، ثم أنشأ «حركة الإصلاح»، وتركها لعملاء النظام الذين صار أحدهم مستشارا لـ«بوتفليقة»، والآخر سفيرًا للجزائر في السعودية، والثالث وزيرًا: ثمنًا لهذه العمالة، وتفكيك العنوان الإسلامي، وشق الصفوف لصالح الطاغوت! ثم أنشأ جاب الله «جبهة العدالة والتنمية» وهي ما يعمل تحت عنوانها الآن، لكن بذات المضامين التي عَمِل بها دومًا وحافظ عليها منذ سنة 1972.

أثناء التفكر في معاني القدر من حذف حسابي أحببتُ هذا النموذج المتسلسل المتراكب في حكاية العناوين والمضامين: أربكان والغنوشي وجاب الله؛ لأن «صاحب القصة، وراويها، ومن رواها عنه» مثَّلوا كافة نماذج الإسلاميين عمومًا في هذا الباب: «المكافح الثابت ، والمفتون، والمكافح الذي استلهم ثباته من ثبات  غيره على نفس الخط». كلهم اختاروا الإصلاح السياسي.. ولكنهم اختلفوا في المآل والعاقبة؛ وفق اختلاف الغرض والهوى، وفق محبة إعلاء كلمة الله على ما يفهمونه عن الله، أو وفق محبة العلو في الأرض، ولو على غير طريق الله!

من كان العنوان عنده أهم من المضمون فهو مغبون، ومن تمسك بالمضمون فوق العنوان فاز إن شاء الله فوزين: فوز الدنيا؛ ببقاء سيرته نزيهة عطرة، وإن غلبته الغيلان، وفوز الآخرة بأنه مهما أخطأ يجد عذره عند الله أنه، لم يتناول وسيلةً، إلا وفق ما صح عنده من دليل أو غلبة الظن بمصلحة الأمة. لم ينتفع، ولم يسكن إبط الطاغوت، ولم يجر أتباعه للهلاك! هكذا فلنكن ـ وإن اختلفنا ـ أصحاب مضامين!

حساب الفيس بوك القديم، الذي حذفه من يريدون كبت الحقيقة، دفعني لأتفكَّر في مستوى أعلى من الحذف، وعلى نطاق أوسع من التأسيس، وإعادة التجربة! إن كل المناضلين عانوا معاناة شديدة في تحطيم أعمالهم، وسرقتها، ومحاربتهم بكل وسيلة! فهل يبقى لنا عذر بالاستضعاف! أي استضعاف يكون عذرًا إذا كان كل المناضلين، مسلمهم وكافرهم، سنيهم ومبتدعهم، قد ناضلوا النضال المر، ناضلوا مرةً بعد مرة، حتى صاروا معروفين ممكنين، ولو في قلوب الناس، وليس على الكراسي؟ وفي الحقيقة يكفي أن يذكرك الله في الملأ الأعلى عنده، وإن لم يذكرك أحدٌ من الناس.

صاحب المضمون هو الذي لا يريد علوًا في الأرض ولا فسادًا! بينما الطاغوت يريد الفساد، ومن يحرص على العناوين أكثر من المضامين، إنما يريد العلو لا الإصلاح، وهو أداة الطاغوت في الفساد، أما التمكين فلمن ناضل لتكون كلمة الله هي العليا، من لم يقدس جماعته فوق الشرع، ولم يرفع قادته فوق الأنبياء! ولم يجعل مصلحة الدنيا  جنته، ولم يتصور اضطهاد الطواغيت له منتهى الجحيم! جعلنا الله من أصحاب المضامين لا العناوين، إنه مولى المؤمنين!

هذه المفارقة أحببت أن أشاركها معكم؛ لأنني وجدت الكثيرين يكتبون؛ من أجل التصفيق، والكثيرين يقرأون؛ لأنهم يحبون التصفيق! يبدو أن كتّاب التصفيق يحسبون التصفيق نوعًا من الطرب؛ فيدمنونه، ويرقصون على أنغامه! ويبدو أن قرّاء التصفيق يحسبونه رياضة نافعة للبدن، وهواية تخدم الروح! فأردت أن أنصح نفسي: لا أكن منهم، ولا تكن منهم أخي القارئ! ولا تكوني منهم أختي القارئة! والله مع الصابرين، كونوا أصحاب مضامين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد