حرب التصريحات الايطالية هل هي نُصرة لإفريقيا؟ ام تبادر أدوار!

شهدت العلاقات الفرنسية الإيطالية خلال الأسابيع الماضية توترًا متصاعدًا، يكاد يصل إلى حد نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين، وذلك عقب التصريحات النارية وغير المسبوقة، والتي شنّها مسئولون إيطاليون على فرنسا، على رأسهم نائب رئيس الوزراء؛ حيث اتهموا هذه الأخيرة بالعمل على مواصلة احتلال واحتواء المستعمرات القديمة في القارة الأفريقية، واتباع سياسة استعمارية غير مباشرة في شتى المجالات؛ أدت إلى تفقير كثير من هذه البلدان، وحالت دون تقدمها وتطورها، وأدت إلى تخلّف شعوبها وعدم مواكبتهم لمختلف التطورات التي شهدها العالم، وهو ما كان له مضاعفات كثيرة حسب تأويلهم، لعلّ أبرزها التدفق الهائل لقوافل المهاجرين غير الشرعيين نحو سواحل إيطاليا، محاولين بذلك البحث عن حياة أحسن من التي يعيشونها في أوطانهم، في ظل اضطهاد الأنظمة الحاكمة لهم، والمدعومة من قِبل فرنسا في شكل وصاية غير مباشرة.

الهجرة غير الشرعية.. القطرة التي أفاضت الكأس!

شهدت السواحل الإيطالية خلال الشهور القليلة الماضية وإلى غاية هذه الأيام، توافدًا كبيرًا لقوارب الهجرة غير الشرعية لمختلف الأفراد من مختلف الجنسيات الأفريقية، عبروا المتوسط نحو شواطئ البلاد، حيث لم تنجح خفر السواحل الإيطالية ولا السياسات الحكومية أو الاتفاقيات المبرمة مع دول الموطن الأصلي لهؤلاء المهاجرين من الحد من هذه الظاهرة، حيث سجلت الإحصائيات والجهات المختصة تصاعدًا كبيرًا في معدلات الظاهرة، جعلها تدق ناقوس الخطر حول مستقبل إيطاليا في ظل الاستمرار على هذا النحو، خاصة مع اللااستقرار الذي تعيشه دول الساحل الأفريقي، وشمال أفريقيا، وكثير من الدول الأخرى في القارة.

فالانفلات الأمني وتدهور مستوى المعيشة أدى بآلاف المهاجرين إلى ركوب قوارب الهجرة نحو أقرب منطقة في الضفة المقابلة للبحر الأبيض المتوسط؛ لتجد إيطاليا نفسها وحيدة ومجبرة على استقبالهم، وتوفير الملاذ الآمن لهم على حسابها الخاص، دون أي دعم أو مساندة من جيرانها الأوروبيين خاصة فرنسا، وهو ما لم يتمّ هضمه على المستوى السياسي من جانب الإيطاليين.

حيث اعتبروا إن سياسات فرنسا الحالية تجاه هذه الدول، والتي كانت مستعمرات سابقة في الأمس القريب من بين الأسباب المباشرة التي أدت إلى حدوث أزمة الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وبصفة خاصة نحو إيطاليا، واتهمت هذه الأخيرة نظيرتها الفرنسية بالتدخل في الشئون الداخلية لعديد من الدول الأفريقية، والعمل على نهب ثرواتها وخيراتها؛ مما أدى إلى تفقير شعوبها، واضطهادهم، والدفع بهم إلى ركوب قوارب الموت والغرق في حوض المتوسط في كثير من المرات، والحيلولة دون وصولهم إلى بر الأمان، من جهتها استدعت فرنسا السفير الإيطالي بأراضيها على خلفية التصريحات التي لاقت استياءً كبيرًا على ما يبدو، حيث طالبت هذه الأخيرة بتوضيحات بخصوص القضية، وندّدت بما وصفته بالاتهامات غير المقبولة تمامًا من نظيرتها الإيطالية.

تبقى التصريحات الإيطالية الشديدة اللهجة مجرد حرب كلامية لها خلفيات سياسية، وربما الهدف منها محاولة إقحام فرنسا في أزمة الهجرة غير الشرعية التي تشهدها إيطاليا، وبمثابة دعوة لتقاسم أعباء وتبعات هذه الظاهرة، خاصة وأن الأفراد النازحين نحو الأراضي الإيطالية من أصول أفريقية، كانت مستعمرات فرنسية من قبل، وتربطها علاقات اقتصادية وثقافية عريقة مع هذه الأخيرة، وهو ما حاولت إيطاليا إيصاله وترويجه بطريقة أخرى؛ تهدف من خلالها دفع فرنسا على الأقل للضغط على تلك الحكومات، لوقف التدفق الكبير للمهاجرين غير الشرعيين نحو سواحلها.

هل حان وقت الرّد على تدخل فرنسا المباشر في ليبيا المستعمرة القديمة لإيطاليا؟

لفرنسا تاريخ وماضٍ استعماري في العديد من الدول الأفريقية، رفقة بالعديد من الدول الأوروبية الأخرى، على غرار بريطانيا، وإسبانيا، والبرتغال، وهولندا، وإيطاليا، وبلجيكا، لكن المجزوم به هو أن فرنسا كان لها حصة الأسد من هذه المستعمرات الأفريقية، حيث توغلت بشكل كبير داخل القارة الأفريقية، ومارست مختلف أساليب القمع والاستبداد، كما استولت على ثروات وخيرات تلك البلدان، ومارست شتى أنواع السيطرة والطغيان على شعوبها، ولها سجل حافل بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي في تلك المناطق من بداية القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة النازية على أيدي الحلفاء، وبروز الموجات التحررية، وإنشاء عصبة الأمم المتحدة؛ تعالت أصوات الشعوب المضطهدة منددة بالدول المستعمرة، فكانت لزامًا على الدول المستعمرة أن تمنح الاستقلال لكثير من البلدان، التي تستحوذ عليها، وهو ما حصل مع فرنسا، وكذلك إيطاليا.

فرنسا التي كانت تحتل أغلب دول شمال أفريقيا، التي تتوسطهم ليبيا والتي احتلتها إيطاليا، وسرعان ما تحررت هذه الدول الواحدة تلوى الأخرى، الاستقلال مُنح عن طريق مفاوضات واتفاقيات بين البلدان المستعمِرة ونظيرتها المستعمَرة، حيث تم الوصول في نهاية المطاف إلى اتفاق يقضي بمنح الاستقلال، وحق تقرير المصير للشعوب في اتفاقيات مبرمة بين الطرفين، منه ما تم الإعلان عنه ونشره، ومنه ما لم يتم الإفصاح عنه إلى غاية اليوم، والمجزوم به هو أنّ الدول الكبرى سعت إلى الحفاظ على مصالحها في تلك المستعمرات حتى بعد مرحلة ما بعد الاستقلال، وهو ما جسدته التبعية الاقتصادية والسياسية ومختلف القطاعات الحساسة لتلك الدول، فكل دولة أفريقية كانت بالأمس مستعمرة، لا تزال تعاني من ويلات الاستعمار بطرق مباشرة، وأخرى غير مباشرة، ومنها من تكاد تكون مقاطعة إدارية أو تابعة بشكل أو بآخر للمستعمر، وتدين له بالولاء المطلق واللامشروط.

وبالعودة إلى موضوع التصريحات الإيطالية نجدها ترتبط ارتباطًا مباشرًا، بهذه القضية باعتبار أن دولة ليبيا كانت بالأمس مستعمرة إيطالية، وتربطها معها علاقات اقتصادية قوية، وتعاون استراتيجي كرّسه الماضي الاستعماري، لكن وبعد موجة ما يسمى بالربيع العربي، وما شهدته الكثير من الدول العربية من تأجيجات واضطرابات عصفت بالعديد من الأنظمة الحاكمة، سارعت الدول الكبرى إلى احتواء هذه الأحداث، وحماية مصالحها بشتى الطرق فمنها من دعّمت الأنظمة الحاكمة، وعملت على بقائها، ومنها من اختارت دعم الطرف الجديد الذي سيطر على الوضع، فكان التدخل الفرنسي المباشر في الحرب الليبية التي أطاحت بنظام الرئيس «معمر القذافي»، وسار بالبلاد إلى إحداث ونشوب حرب أهلية، ووضعها على صفيح ساخن، كل هذا حدث دون إشراك الطرف الإيطالي الذي يرى بأنّ له الأحقية والأسبقية على فرنسا وبريطانيا بالتدخل في ليبيا، بالرجوع إلى تاريخ البلدين، وسياسة احتواء المستعمرات القديمة كما سبق ذكره.

إيطاليا لم تحرك ساكنًا خلال التدخل الفرنسي البريطاني وحلف الناتو في ليبيا، رغم معارضتها الشكلية على ذلك، لكنها لم تجارِ الأحداث، وبقيت تلعب دور المتفرج في أحداث الحرب في ليبيا، بالمقابل كانت مصالحها تتضرر بشكل مباشر، وكانت الخاسر الأكبر في العملية من جميع النواحي، كل هذا قابله استحواذ مباشر لفرنسا، واستفادة ضمنية ومدروسة تحت غطاء حماية الشرعية الشعبية ونشر الديمقراطية، نفس الشيء حققته بريطانيا المستفيد الآخر، كل هذا جعل إيطاليا تخضع للأمر الواقع، وتؤمن بمقولة «القانون لا يحمي المغفلين» وهو ما جسّده الانعكاس السلبي للأزمة الليبية على مصالح إيطاليا خاصة الاقتصادية، بل تعدى الأمر ذلك، وهو ما عكسته أرقام وإحصائيات النازحين والمهاجرين غير الشرعيين نحو إيطاليا، باعتبارها أقرب وجهة للفارين والناجين من مخالب الحرب، ليس في ليبيا فقط، بل في كثير من دول أفريقيا.

بين تضارب التصريحات والاتهامات تبقى أفريقيا رهينة المصالح.. ويبقى شعبها أسيرًا للماضي الاستعماري

تصريحات الجانب الإيطالي أو نظيره الفرنسي، أو خطابات التغني بالإنسانية، وتحرير الشعوب، وتطبيق ونشر الديمقراطية وغيرها، كلها شعارات تخفي وراءها جملة من الأطماع والمصالح لتلك الدول المتبنية لهذه الممارسات، فالشعب الأفريقي ليس بالأهمية البالغة التي تظهرها تلك الأوصاف، والخطابات الرنّانة في المنابر والهيئات الدولية، بقدر ما تخفيه المحفزات والامتيازات الموجودة في باطن تلك الأرض الغنية بالثروات، فالجميع يسعى وراء نهب الخيرات، واستغلال الموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها دول أفريقيا، والتي قد أخذت منها الدول الكبرى ما لم يشبع رغبتها خلال الحقبة الاستعمارية هناك، والتي امتدت لأكثر من قرن في كثير منها.

فالدول الأوروبية التي غزت أفريقيا ونهبت ثرواتها تعرف جيدًا قيمة هذه الأرض، وما تمثله من دعم اقتصادي واحتياطي صرف، تعتمد عليه بشكل أساسي في عملة التنمية والتطور خاصتها، والمعلوم أيضًا أن هذه الدول وقبل منحها الاستقلال لمستعمراتها سعت على ربط تبعية اقتصادية وسياسية معها بهدف التأثير المباشر، واستمرار العلاقات فيما يخدم مصالحها بشكل أو بآخر، وهو ما عكسه التدخل العسكري المباشر في العديد من الدول الأفريقية المستعمرة قديمًا؛ من أجل حماية المصالح، ومواصلة استغلال هذه الدول، وتكريس التبعية الاقتصادية والاستفادة من الاتفاقيات المبرمة في العديد من القطاعات، لعلّ أبرزها الطاقة والمجال الأمني والسياسي.

فقارة أفريقيا لا تزال تشهد أزمات إنسانية وحروبًا أهلية، وهي نموذج لعدم الاستقرار، ويكاد العيش فيها يكون كابوسًا يلازم قاطنيها، فالرؤساء فيها مستبدّون، ومعظم الأنظمة الحاكمة فيها فاقدة لشرعيتها، ولا تحظى بالقبول لدى أغلبية الشعب، بالمقابل نجدها تعمّر في السلطة لعدة عقود، ولا تقرّ بمبدأ التداول على الحكم، بل تسعى إلى تحقيق مصالحها الشخصية دون الالتفات لبقية الشعب، كما أن بقاء هذه الأنظمة مرهون بمدى ولائها للدول الكبرى أي الاستعمار القديم، الذي يغطي بصفة مباشرة، ويدعم ممارساتها غير القانونية في كثير من الأحيان، ويدعم بقاءها على هرم السلطة، بمقابل السماح بنهب وسرقة ثروات البلاد بمختلف الطرق والتدخل في الشئون الداخلية، والعديد من القضايا، وانتهاك السيادة، والحريات بشتى الأساليب.

أفريقيا المستعمرة القديمة هي نفسها أفريقيا المستعمرة الحديثة، فالكل يلهث وراء اقتسام ثرواتها ونهب خيراتها، ومن لم يسعفه الحظ في الاستعمار المباشر في القرن التاسع عشر، ها هو الآن يبتكر حيلًا جديدًا للاستعمار في القرن الواحد والعشرين، وإن لم تنجح الحيل أو السياسات فالتدخلات العسكرية المباشرة وتنصيب الأنظمة ذات المصالح المشتركة أصبح متاحًا أيضًا، والشعب الأفريقي يبقى ضحيّة كونه في تلك الرقعة من الأرض، فالكل يعارض تحرّره أو تطوّره، فقد كُتب عليه أن يبقى أسيرًا في قبضة نظيره في الضفة المقابلة، والذي يريد إيهامه بأنه يسعى لتحقيق أحلامه في العيش الكريم، في كنف الديمقراطية والعدل والمساواة، وهو ما لم ولن يحدث بسبب الإنسان نفسه الذي يتغنى بالإنسانية والديمقراطية. «عذرًا يا أفريقيا فموعد تحررك لم يحن بعد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد