اشتعلت صفحات التواصل الاجتماعي منذ فترة على معركة وسجال، بين متابعي برنامج الدحيح، وبين من انتقده واتهمه بأنه يروج للإلحاد بصورة منظمة وممنهجة، وبطريقة خبيثة يدس فيها السم في العسل، وبين مزايدات البعض من أنصار الفريقين واتهامات متبادلة لهذا بالإلحاد وذاك بالتكفير، تلتبس الحقيقة عند البعض الآخر ويغيب النقاش الموضوعي بين المتحاورين.

عاد الأمر للاشتعال مرة أخرى هذه الأيام إثر وفاة واحدة من أعضاء فريق إعداد البرنامج وانتشار دعاوى طلب الدعاء لها وإقامة الصلوات عليها، ثم تبين بعد ذلك أنها ملحدة، ولها نشاط كبير ومعلن في نشر الإلحاد، فلماذا أخفى أصدقاؤها موضوع إلحادها في بادئ الأمر؟

وكيف يطلب الدعاء والاستغفار والصلاة والدفن في مدافن المسلمين لملحدة لها مساهمات كبيرة في نشر الإلحاد؟ وعلى أي أساس يتم ذلك؟ هل يستقيم عقلًا فعل ذلك مع اليقين بإلحادها؟ ألا يعد ذلك عدم احترام لرغبتها واختيارها؟ أم أن ذلك ظنًّا من أصدقائها أنها عادت للإسلام قبل وفاتها؟وإذا فعل هؤلاء ذلك باعتبار هذا الظن المخالف للظاهر، ألا يحق لغيرهم الأخذ بالظاهر واستنكار واستهجان الاستغفار لملحدة ماتت على الإلحاد، واعتبار ذلك الفعل ضروريًّا للرد على الخلل العقلي والنفسي الذي يروج له البعض من جواز طلب المغفرة من الله للملحد الذي لا يؤمن بوجود الله ومات على إلحادة، لأن هذا الملحد الذي ينكر وجود الله ويسعى لإخراج الناس من دين الله قد يكون هو الأفضل عند الله.

لعل هذا الأمر يعيدنا مرة أخرى إلى برنامج الدحيح ويعيد التساؤل المطروح، هل المحتوى العلمي الذي يقدمه البرنامج ويقوم على إعداده ملحدون هو محتوى علمي مغلف ومبطن بالإلحاد؟

من هو الدحيح؟

هو الشاب المصري أحمد الغندور تخرج في كلية العلوم – الجامعة الأمريكية، يوتيوبر مشهور ومقدم لبرنامج الدحيح، وهو برنامج يقوم بتبسيط العلوم وتقديمها بشكل ميسر وبسيط، وبطريقة تمثيلية إبداعية شعبية ساخرة، والبرنامج له مشاهدات ومتابعات جاوزت الملايين، ولآقي رواجًا كبيرًا بين الشباب؛ فهو يقدم لهم علومًا مادية، وقضايا تاريخية ومعلومات فلسفية بطريقة مبسطة، والبرنامج ترعاه منصة إعلامية شهيرة.

الانتقادات الموجهة للبرنامج

في بداية الأمر اقتصرت الانتقادات الموجهة له على أنه لا ينقل الحقيقة العلمية بصورة مجردة، ولكن ينقلها بما يحيط بها من هالة من الأفكار الفلسفية والثقافة الغربية، التي قد تتناقض مع ديننا ومعتقداتنا، فيمكننا اعتبار الحقيقة العلمية المجردة بذرة، وهذه البذرة محاطة بغلاف يمثل التفسير والفلسفة الغربية لهذه الحقيقة، وهذا التفسير لا يملك قوة أو صحة الحقيقة العلمية المجردة نفسها.

زادت الانتقادات للدحيح بزيادة اقتباسه لكلام الملاحدة، وإشادته بهم، وبلغت الانتقادات الذروة بتقديمه حلقة بعنوان «يا محاسن الصدف»، والتي ينفي فيها الضبط الدقيق للكون، بافتراض أن هناك مليارات الأكوان المتعددة، ووجود كوننا هو أمر محتمل كواحد من بين مليارات الأكوان غير المنضبطة.

ظهرت حلقات للرد كان أشهرها للدكتور المهندس فاضل سليمان، وهو داعية إسلامي مشهور ورئيس مؤسسة جسور للتعريف بالاسلام، وله دور بارز في مواجهة الإلحاد والرد على الشبهات حول الإسلام، والدكتور إياد قنيبي، وهو دكتور صيدلي له إسهامات علمية كبيرة ومكانة متميزة، بالإضافة لكونه داعية مهتم بملف الإلحاد، وله برنامج شهير «رحلة اليقين»، كما أن له بعض الآراء الفكرية المخالفة لمعظم الإسلاميين، والطبيب هيثم طلعت، وهو مصري مهتم بملف الإلحاد ومناظرة الملحدين.

بالإضافة لعشرات المنشورات والمقالات كتبت للرد على الدحيح.

وكان الرد في مجمله كالتالي أن نظرية الأكوان المتعددة وافتراض وجود مليارات الأكوان هو أمر غير علمي على الإطلاق، ولا توجد شواهد عليه، بل لا وجود له في الأوساط العلمية إلا كافتراض وتخيل في ذهن أحد الملاحدة، وعلميًّا فإن فرض افتراض ما، ثم بناء افتراض آخر على هذا الافتراض لتفسير ظواهر الانضباط في الكون، والتي تتجاوز الملايين، هو أمر غير منطقي على الإطلاق، وضرب المهندس فاضل سليمان مثالًا لتوضيح ذلك سماه مثال البيضة[1]، والأمر يشبه افتراض حدوث انفجار في مطبعة فأخرج لنا الانفجار كتابًا من ألف صفحة يحوي علومًا وفنونًا عدة، وبلا أي أخطاء مطبعية، وهذا مما يستحيل حدوثه، حتى لو افترضنا انفجار مليارات مليارات المطابع.

جاءت الردود على الدحيح في مجملها ردودًا علمية وموضوعية إلى حد كبير، وكان أكثرها تفصيلًا هو رد الدكتور إياد قنيبي[2] الذي أفرد حلقة ثانية تناول فيها حلقات عديدة للدحيح ردًّا على التعليقات التي وردت على رده الأول، في أنه لم يحط علمًا ببرنامج الدحيح، ومن الظلم أن يختزل مائتي حلقة من حلقاته في حلقة واحدة.

تمثلت انتقادات الدكتور إياد في الآتي:

1. الدحيح في مجالات معينة ينقل فقط عن ملحدين أفكارًا إلحادية، ويتجاهل مصادر علمية أخرى ترد عليهم.

2. نفي الضبط الدقيق للكون.

3. التشكيك في خلق الإنسان والكائنات الحية.

4. نفي الفطرة:

· بإنكار وجود غاية من الخلق.

· إنكار نزعة التدين.

· إنكار الضرورارات العقلية.

· إنكار النزعة الأخلاقية.

· إنكار الإرادة الحرة.

5. ذكر تلميحات بإمكانية إحياء الموتى وإنكار ذات الله. [3]

وبعد نزول هذه الحلقة اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بنشر هذه الردود العلمية، ولاقى الدكتور إياد هجومًا ضاريًا على شخصه حتى من بعض الإسلاميين؛ وذلك بسبب فكر الرجل وأيديولوجيته التي تمثل فكرً متطرفًا تجاه الديمقراطية، وجاءت الاتهامات له بالتكفير والدعشنة، وهي اتهامات باطلة نفاها الرجل في فيديو ثالث له.[4]

ولو صحت هذه الاتهامات فما هي قيمتها وما تأثيرها في الرد العلمي الموضوعي الذي أثاره الرجل، ولم يجد أي رد عليه سوى بعض الردود الساقطة علميًّا وأخلاقيًّا.

وأين هي الردود العلمية على المهندس فاضل سليمان؟

أم أن الرجل هو الآخر داعشي إرهابي؟

هذه ردود علمية موضوعية دافعها دحض أفكار إلحادية وليست هجومًا شخصيًّا على أحد، بدليل وجود برامج أخرى مشابهة لم تتعرض لأي هجوم على الإطلاق، كبرنامج إيجيكولوجي وشرفشتاين.

كانت السمة الغالبة في جميع متابعي الدحيح هي غياب الرد العلمي والموضوعي، وإشهار سيف الإقصاء بالاتهام بالإقصاء، واتهام من ينتقد الدحيح بأنه يكفره ويحكم بإلحاده، مع أن ذلك لم يحدث إلا من قلة من الأتباع، وجميع الردود لم تشر إلى ذلك على الإطلاق والجميع يؤكد أن الاتهام هو الترويج للإلحاد وليس الإلحاد، وأن الاتهام يستند لنقاط موضوعية لم يستطع أحد الرد عليها.

جاءت ردود أخرى مفادها:

1- الدحيح ينقل علومًا غربية وأكثر العلماء ملاحدة، فهل نترك العلم.

وهذا غير صحيح على الإطلاق، فأكثر العلماء ليسوا ملاحدة، والاعتراض كان على نقل أفكار إلحادية وعدم نقل الردود عليها من علماء آخرين، يصف المهندس فاضل سليمان أحد الملاحدة الذي ينقل عنهم الدحيح بأنه شخص حقير لا يكف عن التطاول على الإسلام والمسلمين بصورة دنيئة، وله آراء يخالفه فيها علماء ملاحدة آخرون [5] فلماذا ينقل الدحيح عن هذا الملحد فقط ويترك العلماء الملاحدة الآخرين؟ فضلًا عن باقي العلماء؟

أما بالنسبة للعلوم المادية فلا توجد أدنى مشكلة على الإطلاق في نقلها من الملاحدة، بل على العكس هذا أمر واجب وفرض كفاية على المسلمين، يأثمون جميعًا إن قصروا فيه، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وضرب المسلمون الأوائل أروع الأمثلة العلمية والأخلاقية في نقل العلوم عمن سبقهم، مع توجيه الشكر لهم والإشارة إليهم بتوثيق المعلومة مهما كانت بسيطة، بغض النظر عن ديانتهم، على العكس تمامًا من الغرب الذي سرق كثيرًا من العلوم والاكتشافات دون ذكر أصحابها.

2- أن الدحيح أخطأ وكلنا ذو خطأ، وهذا الخطأ لا يساوي شيئًا وسط إسهاماته المفيدة.

وهذا الرد غير مقبول في هذه الحالة، فليست كل الأخطاء سواء، وليست الجنحة كالجناية، والترويج للإلحاد ليس خطأ عاديًّا، بل هو خطأ فادح وخطيئة كبرى، تستوجب المعالجة للخطأ بعينه، ولا ينفي ذلك ما للبرنامج من إسهامات رائعة.

3- الدحيح أكبر من كل هؤلاء، وهو لا ينشغل بهم ولا بمن يريد أن يشتهر على صيته.

وهذا الكلام يثير علامة استفهام كبيرة وهو غير مقبول في حالة وجود اتهامات موضوعية بالترويج للإلحاد؛ فهذه الاتهامات تستوجب الرد الصريح عليها، ولا تستوجب التجاهل أو نشر صور الدحيح وهو يؤدي العمرة.

أرى أن الجدال الحاصل يدل بالفعل على خطورة ما يفعله الدحيح، كما يدل على أهمية الرد عليه، وذلك للأمور الآتية:

1- أكثر متابعي الدحيح لا يعرف الفرق بين النظرية والحقيقة العلمية، والدحيح ينشر أفكارًا إلحادية وخرافات ونظريات علمية على أنها حقائق علمية.

والنظرية العلمية: هي تفسير تأكد بالبرهان بعض الشيء، أي يوجد بعض الدلالات على إثباتها ولكن ليست دلالات مؤكدة، وقد تكون خاطئة، والفرضية أقل من النظرية.

ومن المثير للضحك كلام قرأته لأحد أشهر المدونين يذكر فيه أن نظرية علمية معناها «يعني شيء عملي مش نظري العلماء خلاص أثبتوه ومفيش فيها نقاش نهائي بس هيا اسمها كده نظرية بس مش نظري».

2- أكثر متابعي الدحيح لا يعرف عن التطور أنه نظرية تحوي أمورًا علمية وتحوي خرافات باطلة، أو فرضيات لم تثبت على أقصى تقدير.

فهم لا يعرفون أنه لم يثبت علميًّا على الإطلاق تحول أي كائن حي من نوع لنوع آخر! بل إن هذا الأمر أشبه بالخرافة الساذجة.

فقد صنف العلماء الكائنات الحية إلى مستويات تبدأ بالمملكة فالشعبة، فالطائفة، فالرتبة فالعائلة، فالجنس، فالنوع، والكائنات الحية يحدث لها تكيفات بنيوية وسلوكية، ويحدث لها طفرات جينية وانتخاب طبيعي، وكل ذلك يتم بتصميم بديع ومتقن وذكي من الخالق، عز وجل، ولا يوجد أي دليل علمي على الإطلاق على تحول كائن حي من نوع لآخر كما افترض دارون من أن «الطبيعة تخلق كل شيء، وأن الحياة بدأت بكائن وحيد الخلية ثم تطورت لفطريات عديدة الخلايا، ثم نباتات تشبه الحيوانات، وحيوانات تشبه النباتات، ثم حيوانات لافقارية ثم حيوانات فقارية دنيا، ثم حيوانات فقارية عليا كالشمبانزي، ثم حلقة مفقودة من قرد شبيه بالإنسان، أو إنسان شبيه بالقرد ثم الإنسان»، وكل ذلك هراء وخرافات، أو على أقصى تقدير فرضيات ليس عليها أي دليل علمي على الإطلاق، فالديناصورات لم تتحول إلى طيور، ولا القرود تحولت إلى إنسان، ووجود أحافير لكائنات حية منقرضة ليس بدليل على الإطلاق على تحول نوع لنوع آخر، ومع ذلك فالملاحدة لا يعرفون عن النظرية سوى هذا الهراء، وينقلونه على أنه حقيقة علمية ثابتة، وهذا فيديو من جامعة كاليفورنيا يناقش أدلة التطور الداروني غير ااموجودة على الإطلاق.[6]

3- ظهر الدحيح مع ملاحدة وأشيع أنهم في فريق إعداده، وبعد الإعلان عن وفاة واحدة من أعضاء الفريق تبين أنها ملحدة، وناشطة في الدعوة للإلحاد، وباقي فريق الإعداد غير معروف، فكيف لا يبعث هذا الأمر على الحذر والتساؤل في عقول متابعية؟

وأخيرًا بعد كل هذا الجدل الحاصل بما فيه من سلبيات، إلا أنه في الوقت ذاته يوجد كثير من الإيجابيات؛ فالكثير انتبه والتفت لخطورة الإلحاد وتعرف إلى أهم أفكاره وشبهاته، وعرف الرد العلمي عليها بما يدحضها من العقول والقلوب، ولعل ذلك أيضًا يكون مؤشر تنبيه للدحيح ذاته ولغيره من البرامج المماثلة للالتفات إلى هذه النقاط، وتقديم محتوى علمي مجرد من فلسفات إلحادية ساقطة، كما أن الأمر ذاته ساهم في رفع الوعي العام عند الجمهور وكان دافعًا للبحث والاطلاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد