خلق الله تعالى الخلق عامةً لغايةٍ محددةٍ؛ وهي العبودية لله تعالى بمفهومها الشامل، وهذه العبودية تحتاج نفوسًا شريفة، بحيث تم التعبير عن تشريفها هذا بحفاوة استقبال هذا الإنسان وسجود الملائكة له بأمر من الله تعالى، ثم تسخير كل شيء لخدمته، إذ قال الله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الجاثية: 13)؛ وذلك بمعنى أن كل شيء هو لأجلك أيها الإنسان، وفي خدمتك لتحقق هدف وجودك من العبودية لله تعالى بمفهومها الشامل، والتي ستحتاج فيها إلى اكتساب صفات الشرف والكرامة لترقي نفسك لمهمة العمل لهذه الغاية العظمى، ولتحصل العزة والتمكين والاستخلاف اللائق بأولياء الله تعالى، إذ قال الله تعالى: «مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا» (الإسراء: 15)، فأنت المستفيد أولًا وأخيرًا من عملية تأهيلها هذه، بالإضافة إلى النعيم المقيم في جنات الخلود.

أما في المقابل؛ فإن من تغافل عن غاية وجوده ونسي أمر ربه، فقد حرم نفسه هذا الشرف، حيث قال الله تعالى: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (الحشر: 19)؛ وذلك بمعنى أن الله تعالى أنساهم أن يعملوا لخير أنفسهم، وأن يزكوها ويبنوا منها إنسانًا يعمل للغاية العظيمة التي وجد من أجلها.

هذا وعندما يستحضر هذا الإنسان أن غاية وجوده هي العبودية لله تعالى، وما يتبعها من نعيم، فإن أفعاله كلها سوف تصب في سبيل تحقيق هذه الغاية، وذلك حتى الأفعال الفطرية كالزواج والإنجاب، فمن جمال العبودية لله تعالى أنها تعزز لنا الاستمتاع الفطري بهذه النعم، إذ قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا» (الفرقان: 74)، أي قرة أعين في الدنيا وفي الآخرة، في حين أن الذين نسوا الله تعالى، انقلب ما كان قرة عين إلى عذاب، إذ قال الله تعالى: «فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ» (التوبة: 55)، بحيث تبدأ المشكلة هنا إذا نسينا الغاية العظمى من العبودية لله تعالى في هذا كله.

وهذا ما يجعل إنجاب وتربية الأبناء ضمن دائرة النجاح في الأساسيات والأولويات للرجل والمرأة، كما أنه يعد من أهم المشروعات والاهتمامات، وذلك قبل أن ينطلق كل منهما لمحاولة النجاح والبحث عن الذات في مجالات أخرى، تائهين عن خارطة هذه الأساسيات والأولويات، فالتربية مسؤولية مشتركة بين الزوجين، وقد يتركز الحديث عن المرأة في بعض الأحيان، إذ إن كثير من النساء عندما تسمع كلمة (تربية)، لا تجد لها وقعًا كبيرا في حسها، ولسان حالها يقول إن أولادها سيتربون كما تربت هي لا أقل ولا أكثر.

رحلة تربية الأبناء عمومًا بدايته الحقيقية هي من اختيار الزوجة واختيار الزوج، واللذان يتشاركان معًا في تحقيق الهدف الأعظم، وقد يكون الوالدان أو أحدهما فاقدًا لكثير من معاني التربية ومقوماتها، فكيف ينشئ عليها أبنائه، ففاقد الشيء لا يعطيه، لهذا نحن نحتاج أن نتربى على هذه المقومات أولًا، ثم نربي عليها أولادنا، وهذا مشوار حياة طويل، ويحتاج تعلمًا مستمرًا وجهدًا ضخمًا، وأولًا وأخيرًا استعانة بالله تعالى وتوفيق منه، وإذا الأب أو الأم لم يقما بدورهما في التربية، فيجب هنا الاستعانة بالمحاضن التربوية الأخرى كالمراكز والدورات النافعة والصحبة الصالحة، وذلك لتساعد الزوجين في سد الفجوة التي أحدثها التقصير في التربية، كما تعينهما على هذه المهمة الشائكة والعظيمة.

هذا وبما أن عبء النفقة يقع على الرجل، مع ما يتطلبه ذلك من إنفاق ساعات في العمل خارج البيت عادةً، فبطبيعة الحال سيكون الوقت الذي تمضيه المرأة مع أبنائها أطول بكثير، وستكون فرصتها في التربية أكبر، ومع ذلك فعلينا أن نذكر دائمًا بأن التربية مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، ومسؤولية بهذا الحجم تحتاج تعاونهما دائمًا.

لهذا نحن نطالبك هنا أيها الزوج بمعاونة زوجتك في عمل البيت، والتقليل من المتطلبات لتفرغها للمهمة الأعظم، وهي بناء الإنسان، وعليك أيضًا أن تعينها على هذه المهمة أيضًا، لا أن تقصر في واجبك في التربية تحت عناوين: (أنا أعمل لأجلكم ولتحصيل قوتكم، تكاليف الحياة عالية، أيامنا صعبة…)، وحتى الوقت الذي تمضيه في البيت يجب أن يكون وقتًا نوعيًّا تكون فيه متفرغ الذهن لأبنائك وتقويمهم، ولا تنشغل عنهم بالاتصالات والتلفاز واللعب وغيرها.

هذا ومن لوازم القوامة أن يكون الأب قدوة البيت في التوازن، وإعطاء كل ذي حق حقه، وبالتالي نحمله المسؤولية الأولى عن تحقيق ذلك، فهناك أدوار في تربية الأبناء لا يصلح لها إلا الأب، كما أنه ومن المرهق جدا للمرأة والظلم لها مطالبتها بها، فعليك أنت أيها الرجل قيادة مشروع التربية وتذليل عقباتها.

ما نحاول إيصاله هنا ما هو إلا (ألف – باء) الحياة التي كان يجب أن نتعلمه بدءًا من سنواتنا الأولى، وللأسف لم يكن هناك في مجتمعاتنا وأوطاننا لأي تأسيس أو تعليم لكيفية إدارة البيت أو التعامل مع الزوج أو تربية الأبناء وغيرها، لهذا فإن الحل هنا يبدأ من تعظيم أهمية بناء الإنسان، فنحن الآن نخوض معركة استعادة السوية النفسية، لتحرير الروح والنفس والفطرة، وإعادة إحياء الهدف الأعظم.

هذا ومن أخطر ما حدث للمسلمين والعرب حين انسحب الاحتلال العسكري من بلادهم، أنهم ظنوا أنهم استقلوا، لأنهم ما عادوا يرون جنود العدو يتجولون بينهم، وبالتالي لم يدركوا الاحتلال النفسي والفكري والروحي والقيمي الذي يعيشونه في حياتهم اليوم، وبذلك لم يسعوا للتحرر منه بالشكل المطلوب، ولسان حالهم يقول: «استقلت أرضنا واحتلت العقول والأفكار».

لقد كانت أجيال المسلمين الأولى على الفطرة والسوية النفسية، عاشت بصدق لتحقيق العبودية الشاملة، فكان هذا الهدف محركًا لأفعالها، بحيث كان الأصل أن تخرج أفعالها على السليقة دون تكلف بالاتجاه الصحيح، نفوس معتزة بالوحي، تثق به ثقة مطلقة، وتنفر من الجاهلية الماضية، والجاهليات المحيطة بها، وتحتقرها وتسد منافذها إلى القلوب، وتعيد النظر في كل موروثاتها، وتحاكمها للمعايير الربانية.

طبعًا قد تعاودها نزغات من الجاهلية بين الحين والآخر، لكنها تدرك أنها جاهلية، فتجاهدها وتتخلص منها، تقع في معاصٍ لكن تدرك أنها معاص، بينما مولود اليوم يولد على الفطرة، فما تلبث منظومة الاحتلال الناعم أن تطمسه وتشرقه وتغربه نفسيًّا وفكريًّا وقيميًّا، وتغرقه في سيل متتابع من الفتن والشبهات، وتلبس الحق له بالباطل، وللأسف مغناطيس العبودية لله تعالى، والذي يجمع الشتات غير موجود، فتبدو العملية صعبة؛ إذ كان القرآن الكريم والسنة النبوية مفهومين، ويحدثان أثرهما البليغ في النفوس والعقول، والآن للأسف أصبح يصعب فهمهما على عامة العرب والمسلمين.

الهدف الرئيس للتربية الصحيحة هو نفض هذا الركام عن فطرة أبنائك، وأن تنصب أمام أعينهم الهدف الذي يجمع شتاتهم، وتقرب إليهم الوحي الصحيح، ومن قدر الله تعالى لهذه الأمة أن تكون هي الغالبة في النهاية، وهذا ما يسكب هذه الطمأنينة في قلوبنا، وأن نعلم أننا نقارع في جولتنا، ونسلم الراية لأبنائنا بحسن تربيتهم ليستكملوا مشوار النصر، أما أخطر ما قد يحصل في تربية الأبناء، والسبب الرئيس في ضياعهم وتحولهم إلى مصدر شقاء للوالدين، هو نسيان الوالدين لهذه المعاني، ونسيان أن الأبناء وتربيتهم يجب أن يكون جزءًا أساسيًّا ورئيسيًّا من مشروع تحقيق الغاية العظمى وهي: (العبودية لله تعالى).

وأخيرًا نقول إن الجميل في هذا الأمر كله هو أنكما كوالدين ستكتشفان وأنتما تربيان أولادكم أنكما تربيان نفسيكما، نفسيكما التي بين جنبيكما ولا تريانها، لكنكما ستريان عيوبهما وحيلها وجمال نتائج تربيتها، تريان ذلك كله في ابنك وابنتك، وكأنها من حكمة الخلق وسنة الحياة أننا في رحلة التربية نكتشف أنفسنا، نكتشف جمال النفس البشرية التي وهبنا الله تعالى إياها، وجمال زرع البذور فيها وسقيها بماء الخير والبركة، وحصاد نتائج هذا الجمال في كل جيلٍ قادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد