إن الله يصطفي من الزمان والمكان والأشخاص ما يشاء، وهذه حكمة الله في كونه، وما المناسبات الإسلامية إلا اصطفاء من الله تعالى لبعض الأزمان وتخصيص لها بعبادات ووظائف؛ قال العِزُّ بن عبدِ السَّلام رحمه الله: “وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: أحدهما: دُنْيويٌّ.. والضرب الثاني: تفضيل ديني راجعٌ إلى أن الله يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم رمضان على صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء.. ففضلها راجعٌ إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها”.

فتأتي هذه المناسبات الكريمة لتحرك الشعور الإسلامي في أهله ليُقبلوا على الله عز وجل؛ فيزدادوا طهرًا وصفاءً ونقاءً. ومنها شهر الله المحرّم؛ هذا الشهر العظيم والمبارك، وهو أول شهور السنّة الهجرية وأحد الأشهر الحُرُم التي قال الله فيها: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّيْنُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36]، هذا الشهر الذي يُقبل فيدعو المسلمين للصيام؛ حيث يقول ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» [رواه مسلم].

شهر الحرام مبارك ميمون والصوم فيه مضاعف مسنون

وثـــــــــــــــواب صائمـــــــــــــــــــه لوجه إلهه في الخلد عند مليكه مخــــــــــــــــزون

وفي الوقت الذي يذكِّرنا فيه هذا الشهر بهجرة المصطفى ﷺ – بداية ظهور الدعوة وقيام دولة الإسلام- نجد فيه يومًا يذكِّرنا بانتصار نبي آخر هو موسى عليه السلام. ذلكم هو يوم عاشوراء؛ العاشر من شهر محرم.

ولقد حبا الله هذا اليوم فضلًا، فضاعف فيه أجر الصيام؛ ومن هنا نشأت الحاجة لبيان فضل هذا اليوم، وما يشرع فيه، مع وقفات تبرز من خلال المطالعة والبحث في هذا الموضوع، أسأل الله تعالى الهدى والسداد، وأن ينفع بهذه السطور.

وجاء في فضل عاشوراء أنه يوم نجَّى الله فيه نبيه موسى عليه السلام والمؤمنين معه، وأغرق فيه فرعون وحزبه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ: «فنحن أحق وأوْلى بموسى منكم»؛ فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه [رواه البخاري ومسلم].

وقد جاء بيان فضل صيام يوم عاشوراء في حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ سئل عن صوم عاشوراء، فقال: «يكفِّر السنة الماضية»، وفي رواية: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم] ، وفي حديث آخر: «ومن صام عاشوراء غفر الله له سنة» [رواه البزار].

قال البيهقي: «وهذا فيمن صادف صومه وله سيئات يحتاج إلى ما يكفِّرها؛ فإن صادف صومه وقد كُفِّرت سيئاته بغيره انقلبت زيادة في درجاته، وبالله التوفيق». بل إن صيامه يعدل صيام سنة، كما في رواية: «ذاك صوم سنة» [رواه ابن حبان].

ويصور ابن عباس حرص النبي ﷺ على صيامه فيقول: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرَّى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء، وهذا الشهر؛ يعني: شهر رمضان» [رواه البخاري].

ولِمَا عُرف من فضله فقد كان للسلف حرص كبير على إدراكه، حتى كان بعضهم يصومه في السفر؛ خشية فواته، كما نقله ابن رجب عن طائفة منهم ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وقال: «رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر».

ويشهد لذلك أحاديث منها: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله ﷺ: «فإذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع». قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ [رواه مسلم] .

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» [رواه أحمد]. وعلى صحة هذا الحديث فإن من لم يصم التاسع فإنه يصوم الحادي عشر؛ لتتحقق له مخالفة اليهود في عدم إفراد عاشوراء بالصوم.

يظهر مما تقدم من الأحاديث -والله أعلم- أن الأكمل هو صوم التاسع والعاشر؛ لأنه هو الذي عزم على فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن صحح حديث: «وصوموا قبله يومًا، أو بعده يومًا» فإنه قال بمشروعية صيام الحادي عشر لمن لم يصم التاسع، لتحصل له مخالفة اليهود التي قصد إليها النبي ﷺ؛ خاصة أن من أهل العلم من يرى كراهية إفراد العاشر بالصوم؛ لما فيه من موافقة اليهود ومخالفة الأمر بمخالفتهم، وأيضًا خشية فوات العاشر، وهو المشهور عن ابن عباس، ومقتضى كلام الإمام أحمد، ومذهب الحنفية [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/470-471، رد المحتار: 3/336-337].

وانطلاقا مما سبق؛ فإن مراتب صيام عاشوراء ثلاث صور:

1- صوم يوم قبله فيصام التاسع والعاشر: لحديث ابن عباس عند مسلم: “إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، فلم يأتِ العام المقبل حتى توفيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

2- صيام يوم قبله أو يوم بعده؛ فيتخير الإنسان صوم التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر؛ لما رواه أحمد: “صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا يومًا قبله ويومًا بعده”. وفي رواية: “أو بعده”.

3- صيام يوم قبله ويوم بعده؛ فيصوم الإنسان ثلاثة أيام: التاسع والعاشر والحادي عشر؛ وهذه أعلى المراتب بلا شك، ودليلها حديث أحمد السابق، وكذلك ما رواه أبو موسى المديني: “لئن بقيت لآمرنَّ بصيام يوم قبله ويوم بعده”.

فمن عجز عن صيام يوم أو يومين مع عاشوراء، فلا يحرم نفسه من الأجر وليصم يوم العاشر وحده، وقديمًا قيل: ما لا يدرك جله، لا يترك كله.

هذا ونسأل الله أن يجعلنا من أهل سنة نبيه الكريم، وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا على الإيمان، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. ونسأله أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا ويجعلنا من المتقين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد