آفة هذا المجتمع هي أنك إما أن تكون شيطانًا لا يفعل الخير، ولا يعرف المعروف، أو أن تكون ملاكًا لا يقترف الإثم، ولا يقرب المنكر! في أعينهم ينبغي لك أن تكون طرف أحد النقيضين! هذا هو ما يعتقدون صوابه! أما عن الحقيقة فهي أننا بشر، وما ينبغي لنا أن نكون لا في زمرة الملائكة، ولا من طائفة الشياطين!

خلق الله الإنسان وما عصمه من الخطأ! ولو أراد لفعل! إنما جعل الله الإنسان خلقًا فريدًا بنفسه وجعل أمامه من الأبواب والطرق ما يختلف منها وما يتشابه! ذلك لأن الإنسان هنا على هذه البقعة من الكون ليصيب ويخطئ!

إنهم ما إن يسموك بوسم الصلاح لا يقبلون منك إثمًا بعد! حتى إذا ما مارست حقك الإنساني في ارتكاب الأخطاء، انهالوا عليك يتغامزون: كيف للأطهار أن يعرفوا دنس الآثام؟ أو على مذهبك يقولون: كيف للأرض أن تأوي مذهبًا يعتنقه الاشرار!

وما إن يسموك بوسم الفساد لا يقبلون منك خيرًا بعد! فأنت في أعينهم الآثم الذي لا تطهر الأرض من أدناسه! وكأن العالم قد خلا إلا من ذنبك الصغير، وكأن العالم قد امتلأ بالصالحين حتى ضاق بعاصِ في حجمك!

لا أعلم لماذا يجدون الحسنة يأتيها المذنب أو السيئة يقترفها المحسن أدعى للدهشة وأقرب للغرابة من المحسن دائم الإحسان أو المسيء كثير الإساءة! إننا نعيش في بيئة غير صحية وفي عالم غير سوي! إنني أرى أن نبتة صغيرة في صحراء منقطعة تستغرق من المجاهدة والكفاح ما لا تستغرقه شجرة مورقة في بستان ممتد! إن الصالحات ليست سواء! فعلى قدر المشقة يكون الأجر! وفي القرآن الكريم يقول تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أي قدر جهدكم وطاقتكم.

لست من المسرفين في الطموح والتمني! ولكن لو سنحت لي الفرصة أن تتحقق لي أمنية مستحيلة واحدة فهي أن نستيقظ في يوم فلا نجد من يرون أنه طالما خلت صفحتهم من حسنة واحدة فلا ينبغي أن يكون على وجه الأرض صالح واحد، ولا نجد من يرون أنه ما داموا قد كانوا هم المصطفين الأخيار فمن دونهم من الناس هم الحثالة الذين تجدر مجانبتهم!
إن أحدنا اليوم صار يخشى أثر أفعاله في ألسنة الناس أكثر مما يخشي وقع أعماله في كفة الميزان! وكأنهم قد ألغوا كل شريعة، وكل ميثاق، واصطنعوا هم شريعة أخرى تختلف مع دوران المكان وتعاقب الازمان! وصار الإنسان دائمًا في حيلة من أمره إزاء كثير من الآراء والأقوال أكثرها فاسدًا منحلًا! وأصبح السبيل الوحيد إلى البقاء – على الأقل آمنا – أن تتشكل أو تتلون وفق السائد الشائع لا وفق الصائب الراجح!

لا أدرى السر وراء هوس الإنسان في أن يكون تابعًا، أو أن يكون قيد مذاهب وطرق! الإنسان يحب دائمًا أن يكون حلقة في سلسلة من الرتب والألقاب! أكثر الناس يحبذون أن يذعنوا لسلطة عليا لا يخالطهم ريب في كونها صوابًا، ربما لأنهم يخشون تبعات إعمال عقولهم؛ لأنه دائمًا ما سيكون هناك مصدر خارجي سيزال بإمكانهم الإلقاء على عاتقه باللوم والعتاب، بدلًا عن أن يكونوا هم أنفسهم سبب الخراب واليباب أمام محاكم ضمائرهم إن سنحت لهم الفرصة حتى بإعمالها!

النفس الإنسانية أصبحت مثقلة تمامًا بالتكلف والتصنع، ويبدو أن الوقت قد حان للمصارحة والمكاشفة؛ لأنه عما قريب لن يعرف الإنسان نفسه حتى وما هي إلا خطوة قصيرة تفصله عن مرحلة النسيان التي سيضل فيها الإنسان حتى عن فهم نفسه. إن الإنسان كان دائمًا هو صانع المشكلة وهو المترنح تحت أعبائها في نفس الوقت ولئن كان الإنسان ماهرا في شيء واحد فهو في ممارسة دور الضحية. لأننا أحلنا العالم إلى ساحة من الصراع، وجعلنا من مجرد الوجود في حد ذاته مشكلة عويصة تستعصي على الحل! وكأن خلاص العالم هو في الخلاص من الإنسان نفسه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد