مقدمة

كلما طفى على السطح نقاش ما (إن صح نعته بذلك فهو جدال في حقيقته) حول قضية أو حدث، إلا وتحول إلى ما يشبه المعركة التي لا بد أن يكون لها رابح وخاسر، ولتستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، ويأخذ هذا النقاش مسار التعصب للرأي والجهة والجماعة والحزب، ثم يبدأ تبادل التهم، وكل فريق يطعن في دين الآخر ووطنيته، وكثيرا ما ينتهي النقاش إلى لا شيء سوى المزيد من التشرذم والتيه.

وفي خضم كل نقاش ننسى ويتناسى المناقشين أو المجادلين أن الاختلاف رحمة والرحمة تعني الحب والود والتجاوز عن الأخطاء وتفم وجهة النظر الأخرى، فالاختلاف يعني إثراء المناقشة وإثراء للفكر، وإضافة أفكار صالحة تنفع الناس وتفيدهم، ويعني كذلك التوافق، ولهذا جاء الإسلام بمبدأ التعارف، والذي يعني الاختلاف، ولا يعني التطابق.

الكثير من المسلمين اليوم لا يقبلون الآخر، إلا في حدود ما يرونه هم، وفي حدود ما يتوافق مع رؤيتهم، في حدود ما يتطابق مع منهجهم وطريقة تفكيرهم ووجهة نظرهم، والتطابق بهذا الكل هو صيغة أخرى للفكر الواحد والنمط الواحد.

مع الكثير من الانزواء والقليل من الانفتاح تحولت المعادلة إلى: (أنت عندما تتطابق معي، وتكون نسخة طبق الأصل مني في تفكيرك، وفي تصورك، وفي نظرتك لجميع القضايا، وفي فهمك لكل شيء، فأنا سأحبك وسأعتمدك صديقا مقربا، وسأنظر إليك نظرة الرضا، والعكس من هذا عندما تخالفني وتقول غير ما أقول وتنظر بغير العين التي أنظر بها.

اجتماعية الإنسان والتعارف

الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يمكنه بأية حال من الأحوال أن يعيش بعيدا ومنعزلا عن الناس، أو أن يعيش أي انسان مهما أوتي من قوة ومن إمكانات بعيدا عن أخيه الإنسان، وقد قالها أفلاطون قديما: الإنسان الذي يعيش خارج المدينة (في إشارة للذي يعيش في عزلة عن الناس) إما أن يكون إلاها أو شيطانا. والإنسان خلقه الله عز شأنه ليكون إنسانا، فلا هو إله، ولا هو شيطان، فالله عز شأنه يدبر أمور الكون، ويسيرها، وكل شيء يسير وفق إرادته عز وعلا، بينما الشيطان يدبر المكائد للناس ليوقع بينهم العداوة والبغضاء والصدام والنزاعات، ومهمة الإنسان على الأرض، لا هذا، ولا ذاك.

وأوردت الفيلسوفة حنة أرندت في موضوع حول هل الإنسان اجتماعي أو سياسي: أن النشاطات البشرية جميعها مشروطة بحقيقة أن البشر يعيشون مجتمعون، وهذه الحقيقة هي الفعل الوحيد الذي لا يمكن أن يكون متصورا خارج مجتمع البشر. فالحيوانات يعيشون في تجمعات، ولكنهم لا يعيشون مجتمعين، فالاجتماع يتطلب أكثر من العيش ضمن جماعات، وهذا ما ذهبت إليه الفيلسوفة حنة أرندت بقولها: بينما فعالية العمل لا تحتاج إلى حضور الآخرين، فالكائن العامل بعزلته المطلقة سوف لن يكون بشرا، بل حيوانا عاملا بالمعنى الحرفي للكلمة. وهذا عمل الحيوان الذي يمكنه أن يعمل وحده، دون أن يكون الآخرون سندا وعونا له.

وما يميز الإنسان عن الحيوان هو وجوده ضمن جماعة بشرية لها بناؤها الثقافي، ويرتيط أعضاؤها فيما بينهم بعلاقات معقدة ومتشعبة تعمل على تهذيب غرائزه وهذا عكس الحيوان، كما أن الإنسان يعيش ضمن جماعة بشرية، والتي تعتبر وحدة اجتماعية، أي أن أفرادها يتفاعلون مع بعضهم البعض مما ينتج علاقات اجتماعية متبادلة، كما أن الجماعة تعمل على إشباع الحاجات الأساسية للإنسان.

وتخلص الفيلسوفة حنة أرندت إلى (الإنسان يعمل، ويصنع عالما يعيش فيه، وسيبقى صانعا بنفسه، بالرغم من كونه ليس إنسانا صانعا، كونه سيفقد صفة الإنسانية بشكل خاص، وبدلا عن ذلك سيكون سلطة إلهية مهيمنة كما وصفها أفلاطون في أحد أساطيره)، فبتحول الإنسان إلى صانع لعالم بكل ما فيه، سيفقد صفة الإنسان ويتحول إلى إله؛ لأنه لا يمكن لإنسان يحمل الصفات الإنسانية أن يكون وحده وصانعا بمفرده.

يذكر الأستاذ ندره اليازجي في مقالة له بعنوان (الإنسان وأبعاده الاجتماعية): أن اجتماعية الإنسان جوهر كامن فيه… فالإنسان هو مجتمع موجود بذاته، فالاجتماعية ليست بعدا يضاف إلى الإنسان، أو حدا يضاف إلى حد آخر. فحسب الأستاذ فالإنسان هو المجتمع، ولا يمكن أن نضيف إليه صفة الاجتماعية، والتي هي جوهرها، فبدونها يفقد الإنسان صفة الإنسانية فيه، ويضيف الأستاذ … لا نستطيع أن نتصور فردا واحدا يحيا وحيدا في هذا العالم، إن مثل هذا الفرد غير موجود؛ لأن قانون الوجود الطبيعي يقتضي بالضرورة الكثرة في الوحدة.

من جهته الدكتور راتب النابلسي يؤكد على اجتماعية الإنسان، وأنه لا يمكن أن يعيش إنسان بمفرده منعزلا عن بقية البشر، النملة حشرة اجتماعية، بمعنى أنك إذا عزلتها عن أخواتها؛ تموت. ولو وفرت لها كل شيء: الغداء والمأوى والمسكن والتهوية والرطوبة والهواء، إذا عزلتها عن أخواتها؛ تموت. والإنسان كائن اجتماعي، ومعناها أن حياته متوقفة على وجوده مع أخيه الانسان.

إذن اجتماعية الإنسان تنبع في جانب منها لحاجته الماسة للإنسان، الذي يعيش وفق احتياجات ومتطلبات لا يمكنه تلبيتها لوحده، فكما عالم النمل الذي يتميز بالتخصص الوظيفي فكذلك الانسان، وفي هذا الصدد يقول المولى سبحانه وتعالى: أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون (الآية 31 من سورة الزخرف)، الآية تتحدث عن أن لكل إنسان وظيفة وعمل تكمل وظيفة وعمل إنسان آخر، ويذكر الطبري في تفسير هذه الآية: ليستسخر هذا هذا في خدمته إياه، وفي عود هذا على هذا بما في يديه من فضل، جعل ذكره بعضا لبعض سببا في المعاش في الدنيا.

إن الإنسان كفرد له احتياجاته يوفرها له أخوه الإنسان، ولا يمكن تلبيتها دون وجود مجموعة من الناس تعمل وفق مبدأ التعاون وتبادل المنافع، فتجميع ما لدى كل فرد من الجماعة من الإمكانات والقدرات والمواهب سيحقق لا محالة لكل فرد فائدة منفعة، والتي لا يمكن تحقيقها إذا كان الفرد بمفرده، وعندما يكون منعزلا عن الناس والجماعة، فالتقدير مثلا والذي هو حاجة من الحاجات الأساسية للإنسان حسب (سلم ماسلو) لا يمكن تلبيته إلا بوجود آخرين يقدرون عملك وإنجازاتك ويشعرونك بالنجاح.

والمطلوب من الإنسان أن يتعاون مع أخيه الإنسان، وحتى يكون تعاونا فلا بد أن يكون هناك تعارف، واجتماعية الإنسان تنبع أساسا من ضعفه وعجزه على تلبية احتياجاته بمفرده ولوحده، فالله عز شانه خلق الإنسان بخاصية عدم الكمال خلقه ضعيفا، يقول المولى سبحانه وتعالى: خلق الإنسان ضعيفا. (الآية 28 من سورة النساء)، فالطبيعة البشرية كما خلقها المولى تتسم بالضعف ولا تقوى، إلا على ما تستطيع وعلى ما يناسبها.

ومن عدالة الله سبحانه وتعالى أن خلق فينا إمكانية الكمال والقوة وذلك بالتعاون مع الآخر، فالنقص الموجود في الإنسان يمكنه أن يختفي بالتعاون مع إنسان آخر، ويقوى الإنسان فقط من خلال التشارك والاتحاد والتكامل مع آخرين، وكلها مخرجات لمدخلة واحدة هي التعارف، فحتى يحصل التعاون لا بد من معرفة الطرف الآخر، وإمكانياته وقدراته، وبالتالي معرفة مجال التعاون، والتشارك لن يحدث طالما جهل كل طرف إمكانيات الطرف الآخر لتحديد مجال الشراكة، وعليه فالتعارف هو أساس إكمال النقص عند الإنسان.

ثقافة التعارف بالمفهوم الجزائري

قد لا يتسع المقام للحديث بعمق عن ثقافة التعارف عند الجزائريين وقد لا تجديني أدوات التحليل للغوص عميقا في هذا المجال، ولكن وبصورة أعم، فثقافة الجزائريين في هذا الشأن قائمة على التوجس من الآخر، وهذا يعود بالدرجة الأولى لذهنية الحذر، وأخذ الحيطة من أي غريب، ولكن هذا لا يعني أن الجزائري غير اجتماعي، ولا يمكن له إقامة علاقات اجتماعية، بل العكس هو الحاصل، ولكن تبقى تلك العلاقة في حدود التوجس والحذر وفي حدود أن الاختلاف في وجهات النظر يفسر على أنه خلاف قد يتطور، وعليه فمن المستحسن أن نتوافق في الآراء حتى لا نخسر بعضنا بعضا.

إن هذا الأمر ينطبق بصفة خاصة علينا نحن الجزائريين، فلا يمكنك أن تختلف مع أي أحد، إلا ووصفت بأبشع الأوصاف وصنفت واتهمت في دينك ووطنيتك وحتى في عرضك وشرفك، لقد تحولت إلى ثقافة وإلى أسلوب حياة، ويحدث هذا على صفحات فيسبوك، وهي شاهدة على الانتشار الواسع والمخيف لمثل هذه الثقافة وقوتها وقوة تغلغلها وسط المثقفين والنخبة المتعلمة خاصة.

وانتشرت ثقافة التطابق عوض ثقافة التعارف وأصبحت هي المقياس والمعيار الذي نعتمده في ربط العلاقات مع الناس وفي التقرب منهم، والفرق كبير وبين بين التطابق والتعارف، فربط علاقة ما ضمن حدود التطابق يعني استيعاب الآخر بشرط أن تكون مثلي ومتطابقا معي في كل شيء، وهذا مضاد لفكرة الاختلاف.

والاختلاف من منظور التطابق هو التنافر والتضاد والعداوة والخصام والرفض التام لك ولكل ما يأتي من عندك حتى لو كان فيه الخير الكثير، وهناك مثال شعبي يقول: حمارنا خير من حصانهم، بمعنى أن ما عندنا خير ألف مرة مما عند الآخر حتى لو كان هذا الذي يملكه الآخر شيئا ثمينا، وهذا ما يفسر الصعوبة التي نواجهها نحن الجزائريين في العمل مع بعضنا البعض.

التعارف من المنظور الإسلامي

وثقافة التطابق بعيدة كل البعد عن الثقافة الإسلامية وعن إطار التفكير الإسلامي الصحيح والسليم والصافي والقائم على أساس التعارف المبني على الاختلاف والمستوجب له.

يقول الله عز شأنه: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير. الآية 13 من سورة الحجرات.

الواضح من الآية الكريمة أن الحق عز شأنه يحدثنا عن اختلاف في الخلق فالذكر يختلف عن الأنثى من الناحية المورفولوجية والبيولوجية ومن ناحية الطباع والأحاسيس والسلوك، حتى وإن كان هذا الاختلاف ليس كليا، ولكنه اختلاف، ثم يحدثنا ربنا سبحانه وتعالى عن الاختلاف في التجمعات البشرية، فالقبيلة لا تشبه شعب ولكل تجمع خصائص معينة، فالتعريف الذي يقدم للمدينة في وقتنا الحاضر هو: المدينة هي تجمعات سكانية كبيرة غير متجانسة، فسكان المدن غير متشابهين وغير متطابقين، بل إنهم مختلفون.

إن الله عز شأنه يخبرنا عبر الآية الكريمة أنه خلقنا مختلفون ومن أجل هذا الاختلاف قال بالتعارف، فقد قسمنا سبحانه وتعالى إلى تجمعات بشرية منها ما يمثل قبيلة ومنها ما يمثل شعبا بأكمله وهذا التقسيم والخلق من أجل غاية التعارف، فنحن نتعارف لأننا مختلفون ولو كنا غير ذلك لما تعارفنا، فالاختلاف هو الذي يدفع إلى التعارف وهو الذي يخلق الحاجة إلى التعارف.

ولأننا مختلفون يخلق بداخلنا حب الفضول والاستطلاع من أجل اكتشاف الآخر ومعرفته عن قرب والتعرف عليه وعلى أفكاره وعاداته ونظرته للحياة، والناس من بعضها تتعلم، والتعلم يحدث فقط في حالة الاختلاف، أما في حالة التطابق فلا تعلم ولا جاذبية ولا انجذاب، فالاختلاف هو الذي يجذب وهذه طبيعة بشرية فطرية في الإنسان.

التطابق يدفع إلى الجمود وعلى عكسه فالاختلاف يدفع الى الحركة والتعلم، فعندما أكون مختلفا معك فأنا أتعلم منك وأنقل منك تجاربك وأتعلم من أخطائك، والعكس من هذا فماذا سأتعلم من شخص يشبهني وما هي الأمور التي يمكنني أن أخذها من شخص يتطابق معي في كل شيء.

أوروبا قبل أكثر من قرن بقليل من الآن كانت غارقة في ظلام التطابق والتزمت ورفض الآخر وكان القتل يتم على الهوية ولمجرد اختلاف بسيط، وقبل هذا كان الاقتتال أشد وأعنف، فما بين سنتي 1618 و 1648 وقعت سلسلة صراعات دامية مزقت أوروبا وعرفت باسم حرب الثلاثين عاما، وكان سببها الرئيس هو الاختلاف الديني والعقائدي الذي وجد بين الطوائف المسيحية، وخاصة منها بين البروتستانت والكاثوليك، وكلف هذا الاختلاف الملايين من الضحايا، ولم يتوقف هذا الاقتتال إلا بإقرار أحقية كل طائفة في الوجود والعيش والحياة وممارسة شعائرها بالصورة التي تراها مناسبة، فكانت معاهدة وستفاليا سنة 1948 بداية الصلح وبداية الاعتراف بمبدأ الاختلاف والتميز ونبذ مبدأ التطابق، وعندها فقط تقدمت أوروبا لأنها آمنت بالاختلاف وتقبل الآخر، ونظر مفكرو عهد التنوير للاختلاف كشرط أساسي لأي نهضة ولأي فكر حر يتطور ويتقدم.

فمفتاح التعارف هو الاختلاف وليس التطابق، والتعارف يقود دائما إلى علاقات إنسانية تشمل جميع بني البشر، فتقبلهم بكل ما فيهم وبكل ما يحملونه من قيم وعادات وأفكار، فالتعارف شامل واسع رحب حدوده هو الآفاق الإنسانية، أما التطابق فضيق يختزل الكل في الواحد وفي التفكير الواحد والنمط الواحد، فلا مجال فيه للتعدد والتنوع، والطبيعة البشرية تقول أن كل واحد هو واحد مميز بصفاته وأفكاره وأحلامه وميولاته، ولنا في آية الله عز شأنه المتمثلة في بصمة الأصبع، والتي تختلف من شخص لآخرـ، ولا يمكنها التطابق والتشابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد