ما العجز المكتسب، وكيف نتجاوزه؟

قد نتعلم الكثير والكثير من الحيوانات، وما زال الإنسان جاهلًا حتى تعلم من الغراب كيف يدفن أخاه، وما زال جاهلاً حتى تعلم من النمل الانضباط والمثابرة، وما زلنا نتعلم.

فمثلًا ماذا نتعلم من الفيلة؟ قد يفاجأ البعض بأن رغم حجم الفيل المهيب والضخم فإن الفيل عطوف لا ينسى، فهي حيوانات اجتماعية تعيش في مجموعات معقدة وتتمتع بذاكرة استثنائية، ولكن ليس هذا هو موضوعنا ما الذي يمكن أن نتعلمه أيضًا من الفيلة؟

قد يصل وزن الفيل في شبابه إلى خمسة أو ستة أطنان، وطوله إلى عدة أمتار، فكيف يسيطر المدرب في السرك على هذا الكائن الضخم ويدربه؟ الكثير والكثير من الأسئلة تطرح دعوني أبدأ بالإجابة عن الفيلة أولًا:

عند ولادة الفيل تربط قدمه بسلاسل كثيرة إلى شجرة ضخمة، فيحاول التخلص منها كعادة الأطفال الصغار فهو لا يعرف شيئًا قادرًا على تقييده ولا يؤمن بالمستحيل، فيحاول ويحاول جاهدًا أن يتحرر، ولكن بعد فترة من الوقت يدرك الفيل الصغير أن لا جدوى من محاولة الهروب من الأسر فيتوقف عن المحاولة ويستسلم، عندها يستطيع المدرب إزالة السلاسل والإبقاء على حبل صغير مربوط فقط، المدهش في الأمر أن الفيل قد يقضي طوال حياته معتقدًا باستحالة هروبه من هذا الحبل الصغير رغم حجم الفيل الضخم!

وهذا بالضبط ما يسمى العجز المكتسب.

إليكم مثال آخر في اختبار مميز أجراه بعض علماء النفس، جرى وضع سمكتين في حوض واحد، إحداهما من أنواع الأسماك المفترسة، والأخرى سمكة صغيرة من الأسماك التي تتغذى عليها السمكة المفترسة، وجرى الفصل بينهما بحاجز زجاجي شفاف، في البداية حاولت السمكة المفترسة أن تنقض على السمكة الصغيرة ولكن في كل مرة كانت تصطدم بالحاجز الزجاجي، استمرت عدة مرات وكل مرة كانت النتيجة نفسها أنها لا تستطيع الوصول إلى طعامها، وفي مرحلة ما، أزال العلماء الحاجز بين الأسماك؛ أي إن السمكة المفترسة قادرة على الوصول إلى طعامها، لكن المفاجئ بالأمر أنها توقفت عن المحاولة، بل حتى إن الأسماك الصغيرة كانت تصطدم ببعضها وبالسمكة الكبيرة إلا أنها لم تستغل الفرصة لأنها استسلمت!

عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان بدأ بدراسة حول العجز المكتسب، وبعد عدة تجارب قام بها سليجمان وفريقه توصل إلى أن العجز المكتسب باختصار: هو عدم محاولة الكائن الحي الخروج من وضع سلبي معين لأن تجارب الماضي قد علمته هذا العجز وجعلته محبطًا حتى بعد أن تتغير الظروف والبيئة السلبية التي كانت موجودة.

فهل هذه التجارب وهذه الحالة تنطبق على الانسان؟

الجواب نعم ولا

نعم: لأن في حياتنا جميعًا نواجه الإحباط والفشل بشكل شبه متكرر، وعندما تتوالى الخيبات فإننا نشعر بالاستسلام والعجز المستمر، لأن البعض غير قادر على محو هذه التجارب من حياتهم حتى عندما تتغير الظروف.

فمثلًا عند تعلمك لغة جديدة وكان أستاذ اللغة صعبًا ودائمًا ما يحبطك ويشعرك «بغبائك» وأنك جاهل وأنك لن تتعلم حتى عندما تحاول أن تثبت له العكس، وتحاول أن تدرس لن يعجبه بل يعطيك تصورًا أنك غير مجدٍ وغير نافع وعقلك الصغير لن يستوعب هذه اللغة حتى مع الجهد الذي تقدمه، وبعد تكرار المحاولات ستشعر بالعجز التام والمستمر فستتوقف عن محاولة التعلم والمحاولة وتتقبل أن «عقلك أصغر من أن يفهم هذه اللغة».

ولو فرضنا أن الأستاذ تغير وكان الأستاذ الجديد أكثر تفهمًا وبأسلوب جديد للتدريس، فعند كثير من الناس لن يتغير شعورهم بالعجز لأن العجز الذي كان خارجيًّا أصبح الآن عجزًا «داخليًّا».

لن يستطيع تقبل أن الظروف تغيرت والبيئة تغيرت لأن عقله استوعب العجز وتقبله.

ولكن هل جميع الناس يتقبلون العجز ويستسلمون كما الحيوانات التي ذكرتها؟

لا، في الحقيقة أثبتت الدراسات أن الإنسان مشابهٌ للحيوان في هذه المسألة مع فرق مهم جدًّا، وهو أنه كلما ازدادت المهارات الإدراكية للإنسان – أي فهمهُ للواقع بصورة صحيحة – كلما أصبح اكتسابهُ للعجز أمرًا صعبًا.

وبعبارة أخرى أن الإنسان بما أوتي من عقل يستطيع أن يدرك أن الظروف التي كانت تقيده سابقًا قد تغيرت لصالحه، أي إنه يستطيع أن يحدد مصدر العجز الخارجي، وهو كما ذكرت في المثال السابق أستاذٌ أو مشرف أو أي شخص كان، فالعجز ليس داخلي المصدر إنما خارجي.

إذن فهناك أنواع من الناس منهم من يتشرب العجز ويستقبله ويتفشى في عقله مسيطرًا على كل جوانب الإبداع والأمل فيقضي عليهم ويحل محلهم اليأس والإحباط والفشل المستمر.

والبعض من الناس قد يبرر فشله إلى عوامل خارجية حيث إنه مقتنع بقدراته لو تحسنت الظروف والبيئة المحيطة له فسيسمح هذا الأمر بإنجاز الأعمال بإبداع ومهارة.

ولكن من المهم جدًّا هنا أن نميز بين محاولة النهوض من الفشل وعدم الاستسلام بالعجز أن يسيطر على الإنسان ويتحول إلى عجز داخلي، وبين الغرور وعدم تقبل الأخطاء وتعليق سبب ذلك على البيئة المحيطة.

إذن المهارات الإدراكية للبشر تمكنهم من التغلب على تجارب الفشل المتكررة، وهذا الأمر غير متوفر لدى الحيوانات. والبشر أيضًا يختلفون في هذا الأمر طبعًا، فالأشخاص المتفائلون أصحاب الثقة لا يقعون فريسة للعجز المكتسب بسهولة وبسرعة، وحتى الأشخاص «المتشائمون» إذا صح التعبير يمكن أن يتغيروا؛ فالصفات ليست ثابتة نستطيع أن نتخلص منها ونكتسبها كما في العجز المكتسب، وفي هذا الامر أرى أن التشاؤم سلوك يمكن تجنبه حتى مع الأشخاص الذين يميلون بطبعهم للتشاؤم بشكل عام.

وأود القول بالختام لا تكن فيلًا يا عزيزي فرغم أن الفيل عطوف لا ينسى من يحبهم فإنه استسلم للخيط الرفيع حول قدمه فلا تكن مثله لأن الله ميزنا بالعقل فلنستخدمه ولنغير الظروف لصالحنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد