هل ينتابك شعور بأنك مهما فعلت فإنك لن تصل إلى مبتغاك حتى قبل المحاولة؟ هل مررت بتجربة نفسية صعبة كفقدان عزيز أو الفشل في تحقيق حلم من أحلامك؟ هل دخلت في مرحلة من اليأس بعد هذه التجربة الصعبة مع شعور بأنك لن تخرج منها أبدًا مهما فعلت؟

1- ما هو العجز المكتسب أو المتعلم؟

هذا الشعور بالعجز واليأس بعد تجربة صعبة هو ما يسميه عالم النفس الشهير والمتخصص في «علم السعادة»، مارتان سليجمان Martin Seligman بـ«العجز المتعلم» (impuissance acquise).

قام سليجمان في المرحلة الأولى من تجربته بربط ثلاث مجموعات من الكلاب. المجموعة الأولى قام بربطها لمدة وجيزة فقط، ثم حررها. المجموعة الثانية تتلقى صعقة كهربائية بإمكان الكلاب إيقافها بالضغط على رافعة. أما المجموعة الثالثة فهي مربوطة بالتوازي مع المجموعة الثانية وتتلقى نفس الصدمة الكهربائية، ولكنها لا تستطيع أن توقفها: عليها انتظار المجموعة الثانية لوقف الصعق.

في نهاية هذه المرحلة، تعافت كلاب المجموعتين الأولى والثانية بسرعة من التجربة، أما كلاب المجموعة الثالثة، فتعلمت أن تكون عاجزة وأظهرت أعراضًا شبيهة بالاكتئاب الحاد.

وفي المرحلة الثانية، تم وضع نفس المجموعات في مكان يكفي فيه القفز فوق حائط قصير لتفادي الصعق. قفزت كلاب المجموعتين الأولى والثانية كلها في حين أن جميع كلاب المجموعة الثالثة فبقيت ساكنة بلا حركة وهي تئن!

بالرغم من أن تجنب الصعق كان سهلًا جدًا، إلا أن عناصر «المجموعة 3» لم تقم حتى بالمحاولة!

توصل سليجمان إلى مجموعة من الخلاصات منها أن الصدمة أو مجموعة من التجارب الصادمة تكبح أية أية محاولة لإيجاد الحل، كما تمنع الفرد من البحث عن طرق جديدة للعمل على تجاوز العقبات مستقبلًا. وهذا يجعل الشخص عاجزًا، ولا يكترث، خصوصًا إذا تعرض بشكل مستمر لمثل هذه الصدمات.

2- بعض الأمثلة الواقعية للعجز المتعلم أو المكتسب

أ- عندما يعجز الأبوان عن إسكات ابنهما بعد عدة محاولات فإنهما في النهاية يتوقفان عن المحاولة، وفعل أي شيء متعلق به!

ب- شخص يعيش في ظروف ووسط اجتماعي فقير وغياب شروط الحياة كالتغذية الجيدة والتغطية الصحية.. يعتقد أن حالته لا يمكنها أن تتغير!

ج- الشخص الذي كان يمنع في طفولته من الحديث والتعبير عن رأيه، يتصور أن لا قيمة لكلامه فلا يعبر إلا قليلًا طوال حياته!

د- «الفشل» المتكرر في اجتياز امتحان معين، بالرغم من الإعداد الجيد، يمكن أن يدفع إلى التخلي النهائي عن محاولة اجتيازه مرة أخرى!

3- ما هي الأسباب التي تؤدي إلى العجز المكتسب؟

يوضح سليجمان في كتاباته، خاصة كتابه: «تعلم التفاؤل»، أن هناك ثلاثة أخطاء تفسيرية للأحداث تؤدي بنا إلى العجز والإحباط:

أ- الاستمرارية (أحيانًا vs دائمًا): الشخص المتشائم يفسر الأحداث على أن وراءها أسبابًا دائمة، وبأنها ستستمر لأطول مدة ممكنة. مثال: لقد فشلت في مادة الفلسفة.. لا يمكن أن أنجح في هذه المادة أبدًا!

ب- الانتشار (محدد vs عام): ينظر الشخص إلى الحدث السيئ في مجال محدد على أنه سيعم ليشمل جميع المجالات. مثال: لقد فشلت في مادة الفلسفة.. أنا فاشل في الدراسة.. أنا فاشل في كل المواد الدراسية!

ج- الشخصنة (داخلي vs خارجي): هنا فالشخص يحمل نفسه مسؤولية الحدث ووقوع الخطأ، وذلك بتوبيخ نفسه ولومها والشعور بالذنب.

4- كيف أخرج من حالة العجز المكتسب؟

أ- التحلي بالصبر: العجز المكتسب، خاصة إذا كان يرجع إلى مرحلة الطفولة، ليس من السهل تحاوزه.

ب- يمكن التخلص من العجز المكتسب وذلك بتلقي المساعدة من متخصص أو العائلة أو الأصدقاء، المهم أنه قابل للتجاوز!

ج- التوقف عن توبيخ النفس: والبحث عن تفسيرات أخرى مع تحمل المسؤولية في المشاكل الراجعة لأخطائك وعدم إقحام مشاعرك في المشاكل التي لا علاقة لك بها.

د- النظر إلى الحدث السيئ على أنه مرتبط ومحدد بذلك الحدث فحسب: أنا فاشل في مادة الفلسفة.. وليس في جميع المواد!

ه- اعتبار الحدث السيئ مؤقتًا، ولا يحدث دائمًا، وأن مسألة تجاوزه هي مسألة وقت فقط: لم أنجح في هذه المقابلة (توظيف).. وليس في كل المقابلات القادمة!

و- الحدث سببه خارجي، وليس داخليًا كي لا تفقد الثقة بنفسك: كانت المقابلة صعبة.. لست المسؤول!

ز- النظر إلى النجاح على أنه أمر دائم وليس مجرد ضربة حظ: أستطيع النجاح في كل المواد!

5- الخلاصة:

هكذا يتضح لنا أن أهم شيء نفعله كي لا نقع في شراك اليأس والعجز المتعلم هو استخدام أسلوب مختلف في تفسير الأحداث سواء كانت إيجابية أم سلبية.

يقول مارتن سليجمان: «عندما نأخذ بعض الوقت لملاحظة الأشياء التي تسير بشكل صحيح – فهذا يعني أننا نحصل على الكثير من المكافآت الصغيرة طوال اليوم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العجز, المكتسب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد