أيها القارئ الكريم السلام عليكم، إن هذه السطور التي سوف تقرأها هي من أهم وأخطر المعارف التي يجب أن تكون على علم ودراية  بها، فأعرني عقلك وقلبك واهتمامك قليلًا واقرأ معي.

تعد السنوات الأولى من عمر الطفل هي أخطر سنوات حياته، بتعبير أكثر دقة، إن اللحظات والساعات والأيام والأشهر الأولى في حياة الطفل هي التي  ترسم مستقبله، وتحدد حياته وصحته وتفكيره وعواطفه، وحتى مناعته ومقاومته.

وتلعب الأمراض المكتسبة دورًا كبيرًا في حياته وصحته. وللأسف فإن كثيرًا من الأمراض تنتقل من الآباء إلى الأبناء. وإذا كنا ننظر للأمراض العضوية بعين القلق والريبة، فإن الأمراض النفسية أشد فتكًا وخطرًا.

وإذا كان الإيدز يعرف على أنه من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان في العصر الحديث، والتي تعطل مناعته، فإن متلازمة التخلف العاطفي أو نقص العواطف المكتسب* هي  تلك التسمية المناسبة التي توصف الأطفال الذين يقضون سنين عمرهم الأولى في جو من المشاحنات والشجار والقسوة التي يترتب عليه تعطل قدرتهم على التعايش والاستمرار، ومقاومة ضغوط الحياة، وتكون عواقبه عميقة الأثر وبالغة التدمير، تدوم لسنوات طويلة؛ بل قد تتوارثها أجيال لعقود، وربما قرون. (تلك التي وصفها وأوردها دانيال جلومان في كتاب الذكاء العاطفي)

مصدر العدوى:

تنتقل العدوى من الأجداد إلى الآباء، ومن ثم إلى الأبناء.

طريقة الانتقال: يقوم الآباء المرضى بالتعامل مع أبنائهم من خلال إحدى الطرق الثلاثة الآتية، والتي تسبب حتمًا الإصابة:

  • أسلوب تجاهل المشاعر تمامًا، هؤلاء الآباء ينظرون إلى قلق الطفل العاطفي على أنه تافه وممل، يجب أن ينتظروا حتى ينتهي من تلقاء نفسه.
  • أسلوب احتقار مشاعر الطفل وعدم احترامها: مثل هؤلاء الآباء يمنعون الطفل من إظهار غضبه على الإطلاق ويعاقبونه إذا ظهرت منه أقل علامة من علامات التأثير، يصرخون قائلين: «اسكت تمامًا، لا ترد عليّ».
  • أسلوب المساومة والمغريات، هؤلاء الآباء يقدمون المغريات كرشوة ليساعدوا أطفالهم على التخلص من حزنهم وغضبهم.

تضمن تقرير المركز القومي الإكلينيكي لبرامج الأطفال نموذجين يدلان على الفرق بين معاملة الأطفال من آباء أصحاء عاطفيًّا، وآباء مرضى بمتلازمة نقص العواطف المكتسبة.

 

النموذج الأول

النموذج الثاني

ياسمين طفلة رضيعة عمرها شهران، استيقظت في الثالثة صباحًا باكية. تدخل الأم، وترضع ياسمين في اهتمام واطمئنان لمدة نصف ساعة، بينما تنظر إليها الأم بحب، وتعبر لها بالكلمات عن حبها وسعادتها برؤيتها حتى في منتصف الليل.

تستغرق الطفلة في النوم سعيدة ومشبعة بحب أمها.

آدم طفل رضيع عمره شهران، استيقظ باكيًا في ساعة متأخرة، واجه أمًا متوترة ومضطربة قد نامت بعد معركة مع زوجها، يبدأ الطفل بالتوتر في اللحظات التي تحمله أمه فيها، وهي تخاطبه: «اهدأ لا استطيع تحمل شيء آخر، توقف عن البكاء». وبينما بدأ الطفل في الرضاعة أخذت أمه تنظر بوجه متجهم متحجر، إنها تستعيد أجواء معركتها مع أبيه؛ فتشعر بالتهيج والغضب، ويشعر الطفل بتوترها وغضبها، فيلتوى ويتصلب ويتوقف عن الرضاعة، تزداد الام غضبًا وتصرخ فيه: أهذا كل ما تريد؟ إذًا لن ترضع. وبفظاظة تضعه في سريره: «براحتك ابكِ حتى تتعب وتنام».

إن مثل هذه التصرفات لو تكررت مرات ومرات فإنها تحفر في ذاكرة الطفل، وتثبت مشاعر دائمة في ذهنه لا تزول أبدًا.

الأكثر عرضة للإصابة

وفي التجربة التي أجراها فريق البحث بجامعة واشنطن وأوردها دانيال جلومان، وحددت صفات الآباء الذين يعانون من متلازمة نقص العواطف المكتسبة، والآباء الأصحاء، واستمرت وتابعت سلوكيات أبنائهم لسنوات رصدت نتائجها على النحو التالي:

الآباء الأصحاء

يتمتعون بالذكاء العاطفي، وبكونهم:

مشجعين– عطوفين – متفهمين – يدركون احتياجات أبنائهم العاطفية.

الآباء المرضى

بمتلازمة نقص العواطف المكتسبة

يتصفون بالحماقة – عدم النضج – الغضب المزمن – يعيشون بلا هدف – آباء تربي على القسوة الاستبدادية بلا رحمة- عصبيون كآبائهم.

الأبناء الأصحاء

  • متفتحون متفائلون.
  • يشبون على نظام ثابت من الثقة والحب والتعاطف والود.
  • يشبون شخصيات أفضل مشبعين بالحب والعاطفة.
  • أقل إثارة للتوتر.
  • أكثر فاعلية في معالجة عواطفهم الخاصة والتخفيف عن أنفسهم عندما يتوترون.
  • أكثر استرخاء من الناحية البيولوجية.
  • لديهم مستويات أقل من هرمون التوتر.
  • أكثر شعبية ويحبهم أقرانهم.
  • أقل إثارة للمشاكل.
  • أداء دراسي مميز ومتقدم.
  • يثقون في الناس الذين يلاحظون احتياجاتهم، ويبدون استعدادًا لمساعداتهم.

الأبناء المصابون

  • مسحوقون تعساء معذبون.
  • يشبون على نظام ثابت من الأذى والصدمة.
  • يعيشون حياةً فوضوية مشتتين.
  • الأكثر لا مبالاة وعدوانية.
  • الأكثر انسحابًا من الحياة.
  • يعانون من تزايد المشاكل الدراسية والرسوب.
  • يتعلمون الاستجابة كنسخ مصغرة من آبائهم وأمهاتهم الذين يسيئون معاملاتهم.
  • لديهم استعداد شديد للعدوانية وإثارة المشكلات والجرائم.
  • يشعرون أنه لا يوجد من يهتم بهم، وأن من حولهم لا اعتبار لهم، وأنهم سوف يفشل في الحصول منهم على أي سلوى على الرغم من مجهوداتهم.

التأثير الدراسي لمتلازمة نقص العواطف المكتسبة

والآن عزيزي القارئ لدينا الإدراك الكامل لخطورة الأمر وأهميته، لقد ذكر تقرير المركز القومي الإكلينيكي لبرامج الأطفال، أن القدرات العاطفية التي يكتسبها الطفل في حياته، ترتكز بشكل أساسي على ما تشكل في السنوات المبكرة من عمره. إن هذه القدرات العاطفية هي الأساس الضروري لكل أشكال التعلم والدراسة، وأن النجاح الدراسي لا ينبئ به رصيد الطفل من المعارف، أو مقدرته المبكرة على القراءة بقدر ما تنبئ به المقاييس العاطفية والاجتماعية، تلك المقاييس المتمثلة في الثقة بالنفس، والاهتمام، والتفهم للمواقف، والتحكم بذاته، وكبح الميل نحو التصرفات الخاطئة. وأن يكون قادرًا على الترقب والانتظار والالتزام، واللجوء إلى مدرسيه لطلب المساعدة.

ويضيف التقرير، أن معظم متواضعي المستوى من الطلاب يفتقدون إلى عنصر أو أكثر من عناصر الذكاء العاطفي المذكورة. وبعبارة أخرى في تقديري أنهم مصابون بمتلازمة نقص العواطف المكتسبة.

الحقيقة المفزعة

إن الأطفال الذين يتعرضون للأذى والضرب، يتعلمون الاستجابة الدائمة كنسخ من آبائهم وأمهاتهم الذين يسيئون معاملتهم. سواء كان الأب أو الأم الذين يصنفون بالعدوانية، فالبنات العدوانيات يصبحن أمهات مستبدات عقابيات. والأولاد العدوانيون يعاقبون أولادهم بقسوة شديدة حينما يكونوا آباءً.

إن الطفل الذي لا يستطيع تركيز انتباهه، ويتسم بالتشكك أكثر مما يتسم بالثقة، وبالحزن أكثر من التفاؤل، والذي يشعر بأنه مدمر أكثر مما هو محترم، الطفل المقهور بالقلق، المشغول بالخيالات المفزعة الذي يشعر دائمًا بالتعاسة، ليست لديه فرصة على الإطلاق في حياة سعيدة هانئة.

إن ثلثي حجم المخ يتكون في الثلاث إلى الأربع سنوات الأولى من حياة الطفل، ويخزن فيه أنواع العواطف المختلفة، إنه يتشكل إما بالقسوة أو بالحب. إن الضغط والقسوة والإهمال والصراخ والضرب يفسد مراكز المخ ويدمر الذهن! وللأسف يمارسه من نطلق عليهم مجازًا آباء، وهم في الحقيقة مرضى ومدمرون لأبنائهم.

العلاج

هناك آباء ينتهزون فرصة توتر الطفل** واضطرابه ليتصرفوا معه بالشكل الذي يشعره بأنهم سنده العاطفي. إنهم يفكرون في مشاعر الطفل بجدية كافية، ويحاولون فهم ما يزعجه بالتحديد. ويساعدون الطفل بأساليب إيجابيه تخفف مشاعره المتوترة، ويقدمون له الدعم والحب والمساندة.

يا أيها الآباء والامهات تعلموا ضبط مشاعركم، وتعلموا الهدوء والحلم، عليكم أن تستوعبوا أبناءكم وأن تحتوهم، وأن تساندوهم في محنهم العاطفية منذ مهدها ومنذ صغرهم، إن المحنة العاطفية التي يعيشها طفل في الثالثة لفقد دميته الصغيرة أو لأن أحد الأطفال ضربه  يحتاج فيها إلى مشاعر المساندة والعطف والاحتواء من أبويه، تلك المشاعر ستدعمه حتمًا وستساعده كثيرًا ليتجاوز محنة فقد الوظيفة أو الزوجة في الثلاثين من عمره. وستجعله مراهقًا صبورًا مستمعًا مستجيبًا لأبويه.

إن ملايين الأطفال بدور الرعاية الاجتماعية قد يكبرون مفتقدين لمشاعر العطف والحب والمساندة، ولكن ليس من المعقول أن يشاركهم في هذا ملايين الأبناء الذين ولدوا في بيوتهم بين أبوين متشائمين عصبيين متشاحنين دائمًا.

قد يكون قدرنا أننا مرضى بهذا الداء، ولكننا نقدر ونستطيع أن نوقف هذا التسلسل من الأحداث الشريرة من أن يحفر في عقول أبنائنا إلى الأبد.

وإذا كانت الحكمة القديمة تخبرنا أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، فإن المساندة أو التحطيم في الصغر تدوم إلى الأبد.

هوامش

*التسمية مجازية وهي تسمية مقترحة من وجهة نظر كاتب المقال هدفها توضيح خطورة الأمر.

** الطفل منذ ولادته وخلال أشهر عمره الأولى وحتى 4 سنوات هي منطقة الخطر التي يجب أن يأخذها الآباء بعين الاعتبار والاهتمام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الذكاء العاطفي دانيال جلومان طبعة عالم المعرفة – الكويت 2000.
عرض التعليقات
تحميل المزيد