مؤمن بأن المبادرات السياسية التي تُعلن في الإعلام يغلب عليها (الشو الإعلامي)، ومن ثم مصيرها الفشل، إذ تتطلب المبادرات نوعا من التؤدة والتواصل مع الأطراف المعنية لإنضاجها وتطويرها، ومن ثم تُسرَّب أنباؤها لتهيئة الرأي العام، ثم إعلانها. فأثر الإعلام على المبادرات في بدايتها ضرره أكبر من نفعه.

وموقن أن على الأفراد والجهات والدول، الذين يهمهم مصلحة مصر وشعبها، العمل على إيجاد مخرج معقول من دائرة القتل الجهنمية التي دخلت فيها البلاد، قتل في الشوارع، وفي الأقسام وأماكن الاحتجاز، وباسم القانون، وباستهدافات، وتفجيرات عشوائية. وأحب أن أضيف هنا: إن البحث عن مخارج معقولة للأزمة المصرية، ليس عيبا سياسة، ولا حراما دينا، المهم أن يكون مخرجا معقولا، وليس نكوصا أو استسلاما أو إذعانا.

ومن ثم فقد كنت كتبت مسودة هذه المبادرة منذ ما يقرب من عام، وعرضتها على بعض المهتمين فرحبوا بها، ثم على شخصيات لها حضورها ووزنها فلم تلق القبول الكافي لتبنيها، ثم على دوائر مقربة من التحالف الوطني لدعم الشرعية فلم توافق عليها، وقيل: إنهم يعملون على تصور آخر. ومن ثم لم يعد من فائدة لهذه المسودة غير طرحها في المجال العام، لعله يستفاد ببعض الأفكار الواردة فيها، ويتم تطويرها للوصول إلى مخرج معقول، لا سيما في ظل ما يتردد هنا وهناك من مبادرات.

ولا يمكن إغفال عدم الترحيب الآني بالمبادرات، في ظل الخطوات التصعيدية المجنونة لنظام الانقلاب العسكري، بالإسراع في تنفيذ أحكام الإعدام، وإصدار إعدامات جديدة بالجملة، طالت أول رئيس مدني منتخب. بيد أنه من المهم أن تستمر جميع المسارات عاملة، المسار الثوري، جنبا إلى جنب مع المسار السياسي، فتعطيل أحدهما لا يضيف إلى المسار الآخر شيئا، ورجال هذا غير رجال ذاك.

خطوات المبادرة:

1. يستطلع رأي معارضي الانقلاب عامة، وجماعة الإخوان خاصة، والتأكد من موافقتهم المبدئية عليها.
2. تعرض المبادرة على الدول المقربة من المعارضة، لتبنيها وتطويرها كرؤية لحل الأزمة المصرية.

3. تتولى هذه الدول إقناع المجتمع الدولي (أمريكا، والاتحاد الأوربي، ودول الخليج) بهذه المبادرة، وضرورة تبنيها، والضغط من أجل تنفيذها على الأرض.

مميزات المبادرة:

1. بالنسبة للمجتمع الدولي: عودة الاستقرار إلى أكبر بلد عربي، البالغ عدد سكانه أكثر من (90) مليون، يمكن أن يشكلوا تهديدا أكبر من القنبلة النووية، في حال دخول البلد في براثن الفوضى، وعدم تصدر الإخوان المسلمين أو تيار الإسلام السياسي مشهد الحكم في مصر في هذه الفترة.

2. بالنسبة للدول العربية: عودة العلاقات العربية الطبيعية، بين مصر ومختلف الدول العربية، بغض النظر عن موقفها من الانقلاب، لا سيما في ظل الأخطار المحدقة بدول المنطقة، (إيران والحوثيين وداعش).

3. بالنسبة للمصريين: عودة مصر إلى المسار الديمقراطي مرة أخرى، وتفادي الانقسام الحاد الحاصل في الشارع المصري.

مضمون المبادرة:

1. يتنازل الرئيس محمد مرسي عن صلاحيته لرئيس وزراء توافقي لم يتورط في الدماء، ويحظى بالقبول الدولي، (أ. أيمن نور أو د. محمد محسوب، أو م. حاتم عزام)، ويمنع رئيس الوزراء من الترشح لمنصب الرئيس في أول انتخابات، ويشكل حكومة تكنوقراط أو ائتلافية من شخصيات وطنية نزيهة.

2. تلغى جميع القوانين والقرارات والأحكام الصادرة منذ (3/7) وحتى الآن، ويعاد العمل بدستور 2012م، أو دستور 1971م.

3. تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية خلال ثلاثة أشهر، تشرف عليها المؤسسات الدولية والإقليمية إشرافا كاملا، ولا يحق لأي جهة أو محكمة تعطيل هذه الانتخابات أو إبطالها بأي دعوى، ولا يمنع أي تيار سياسي من خوض الانتخابات، والشعب يمنح ثقته لمن يشاء.

4. تتفق القوى السياسية على شخصية توافقية كمرشح مشترك لمنصب رئيس مصر القادم، من غير التيار الإسلامي، لم يتورط في الانقلاب، ويحظى بالقبول الدولي، ويمكن اختيار أحد الثلاثة الواردة أسماؤهم سابقا أو غيرهم.

5. تتعهد جماعة الإخوان المسلمين لمدة عشر سنوات، بألا تزيد نسبتها في المجالس المنتخبة برلمانية ومحلية عن نسبة (30%) بأي حال من الأحوال، ولا تنافس على منصب الرئيس.

6. يتم الإفراج عن كافة المسجونين على ذمة قضايا جنائية من (3/7) وحتى الآن، ويستمر نظر القضايا من قبل قضاة مستقلين معروفين بالنزاهة، ولا يمنع المتهمون في هذه القضايا من ممارسة حقوقهم السياسية كاملة، لحين صدور حكم بات فيها، وتلغى كافة القضايا السياسية مثل الانضمام لتنظيم محظور، والتظاهر، وقطع الطريق، وتهديد السلم الأهلي.

7. تلتزم الحكومة المصرية المؤقتة، ثم المنتخبة بالمعاهدات الدولية، وعلاقات حسن الجوار مع مختلف الأشقاء العرب، بما فيهم الدول التي دعمت الانقلاب.

8. إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في الأحداث المختلفة من (25 يناير 2011م) حتى الآن، وإلغاء الحظر عن الجماعات والأحزاب والحركات السياسية والمدنية، ورد أموالها المصادرة.

9. تعتذر مؤسسات الدولة الجيش والشرطة والقضاء والإعلام إلى الشعب المصري عن الممارسات التي تمت من (25 يناير 2011م) حتى الآن، وتجرى محاكمات لمن بقي داخل مصر ممن تلوثت يداه بدماء المصريين، وتفعل آلية للمصالحة.

10. فهذه مجمل الأفكار الواردة في مسودة المبادرة، تعيد مصر إلى طريق الديمقراطية، وتتجاوز التفاوض المباشر مع قائد الانقلاب، وتحقق التراجع الممكن للقوى الدولية الداعمة للانقلاب، وتستوعب كافة التيارات للمشاركة في الشأن العام، وتعيد للحياة السياسية الروح من جديد.

فهل يمكن تحقيق شيء من ذلك في المستقبل القريب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد