لا زلنا ندور في حلقات مفرغة من التفريغ المعرفي والدوران في متاهات لا نهاية لها منذ أحداث ثورة يناير حتى الآن، وكل ما يحدث يجعلنا نشعر أن هناك قوة خفية تحرك مسرح الأحداث في مصرنا المكلومة.

فكل يوم مضى وحتى تلك اللحظة التي أكتب فيها يسقط عددٌ من القتلى (نحسبهم عند الله من الشهداء)، فتارة يموت واحد من العسكر (أفراد الجيش والشرطة) ونحن لا نعرف من يقتلهم على وجه التحديد – أنا هنا أتحدث عن قتلى الشرطة والجيش في المحافظات وليس سيناء – كل ما نعرفه هو أن الإرهاب الذي فعل ذلك. أي إرهاب ومن يدعمه؟!

يقف عقلنا عاجزًا عن استيعاب ما يحدث قليلا!

يسقط شهداء في أحداث الثورة والفاعل حتى الآن مجهول.

يسقط شهداء في أحداث محمد محمود الأولى والثانية، والفاعل مجهول.

يسقط شهداء في ماسبيرو، والفاعل مجهول.

يسقط شهداء في مذبحة بورسعيد والفاعل مجهول.

وآخر وليس بأخير، يسقط (شهداء – نحسبهم كذلك) فيما يسمى مذبحة إستاد الدفاع الجوي، وحتى الآن الفاعل مجهول، وسيكون مجهولًا وفقًا للشواهد السابقة.

مما يجعلنا نشعر أننا بإزاء حالة استفزازية ترسم ملامح الحزن والأسى على ملامحنا جميعا كل يوم ولحظة. فكم من حادث دُوِّنَ ضد مجهول، وكم من قتلى لا نعرف من قاتلوهم.

ولديّ شعور شخصي أن كل ما حدث خلال الأيام الماضية والسنوات إنما هو اختبار لقوة الوعي المجتمعي الذي أثبت بما لا يدع مجالا للشك أننا في حاجة إلى إعادة تشكيل الوعي من جديد.

أحداث الثورة كانت اختبارًا للوعي، ولا جديد ولا رد فعل من جانب الناس، فكانت الكارثة براءة زكريا عزمي – فتحي سرور (رجال الصف الأول لمبارك)، وكان رد الفعل مجرد حملات استهجان فيسبوكية.

ثم كانت الفاجعة الكبيرة بخروج مبارك والعادلي وأعوانه. وكان رد الفعل: حَدِّثْ ولا حرج.

فلما اطمأنت هذه الأيدي الخفية – التي تحرك الأشياء وتلعب دورًا محوريًا في تشكيل أيامنا القادمة والحالية – لما اطمأنت أن الشعب أنهك وبدأ يعود إلى عادة ريما القديمة (الجري وراء أكل العيش – وأنا مالي – عاوز أعيش) بدأت تلعب في أرض الوطن كما تشاء. مما يجعلنا نتساءل:

إلى متى تُدَوَّن القضايا ضد مجهول – أو يتم استدعاء شهود (شاهد مشفش حاجة)؟
إلى متى يظل هذا المسلسل من غياب الوعي؟

إلى متى يظل الصمت عاجزًا بداخلنا مسيطرًا على جوارحنا؟

إلى متى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد