الأدبُ شيءٌ نبيل ويجبُ أن يبقى نبيلًا. هذه الصراعات والمشادات التي عرفها الأدب المغربي في الآونة الأخيرة يندى لها الجبين، فبعض الكُتَّاب رغم مستواهم الثقافي المميز أصبحوا يترصدون زملاءهم في الميدان، وينتقدون أيّ عملٍ أبصر النور، هو نقدٌ من أجل التنقيص من صاحب العمل لا غير. البعض الآخر وصلَ به الحال إلى التدخلِ في الحياة الشخصية للآخرين، وكتابة منشورات تافهة للردِّ على فلان، هذه الترهات يجب تجاوزها. أمَّا أعضاء اتحاد كُتَّاب المغرب، يجبُ عليهم العمل جاهدين من أجلِ تشجيع الشباب على الإبداع الأدبي، إلا أنهم صاروا يتنافسون على الكراسي التي كسبوها سابقًا دون استحقاق. جلُّ الأعضاء في اتحاد كُتَّاب المغرب لا يكتبونَ إلاَّ لِمامًا، ونقاشاتهم متدنية جدًا.

ولا أنسى ذات يوم، كنتُ جالسًا مع كاتب كبير وله اسم وازن – لن أذكر اسمه – يتحدث بلغةٍ خشنة، وينتقد أحد الكُتَّاب الذي أصدر رواية مميزة ورائعة، استهوت القارئ المغربي. برَّر نقدهُ ذاك أنه يجبُ على الكاتب أن يُراكمَ عدة تجارب، ثم يكتب، فذلك الكاتب يكتبُ وهو لم يزل لم يكمل الثلاثين.

تبادرَ إلى ذهني حينها سؤال شائك: متى كانت الكتابة مرتبطة بعامل السن؟ وهل يجبُ على الكاتب أن ينتظر بلوغه سن الستين ليبدأ بتأليف روايته؟ وبعدها يرتدي (بيريهٰ)، ويرتادُ المقاهي ويقومُ بملء شبكة الجرائد. هذا حيف صراحة، أن تحسد شاب حتى في أبسط الأشياء فمعناهُ أنَّك تعاني من مرضٍ معين.

إنَّ هذه الصراعات المجحفة، تبعث للكُتَّاب الشباب برسالة فحواها: ابتعد عن الكتابة، وأطلق العنان للتفاهة وشجِّع على الرداءة، لا تُبدع، اكتفِ بمتابعة الفضائح وقراءة المنشورات التي تضمُّ أخطاء لا تُعدُّ ولا تُحصى. هذا هو واقعُ الأدب في المغرب، لا مجال للكلمات البهية من أجل أن تغطي هذه الحقيقة المؤسفة.

ما يعيشهُ الأدب شكلًا ومضمونًا في المغرب، هو ظلمٌ لا يُطاق. اطلعت على جل الأعمال الشابة، وأبديتُ فيها رأيي دون مجاملة ولا مواربة – رأيٌّ يقرُّ برداءة عملٍ معين أو عملين – فخرجت فئةٌ انطلت عليها سمات الكاتب والمثقف، فبدأت بتقديم نصائح، وأخرى قامت بانتقادي، هو نقدٌ من أجل النَّقد فقط.

رواية الحيّ الخطير كأُنموذج، لغتها ركيكة. وعندما يتلقى صاحب الرواية نقدًا من قارئ معين، إمَّا أن يقوم بحظره أو يبحث عن منفذ – الراوي ينحدرُ من الطبقة الكادحة وهو ليس بمثقف – نتفق معك في هذه المسألة، لكن إذا تحدثت بلغة رصينة وبديعة فإنَّ القارئ المغربي سيفهمك، كيف لا وأحداث الرواية تدور مجرياتها في أزقة المغرب، ونحن نعرف ما تريد أن توصله لنا، فكل يوم نرى تلك المشاهد. أمَّا من تحدثوا عن هذه الرواية المشؤومة بانبهارٍ شديد فإنني لم أدخل معهم في جدالٍ عقيم، السبب واضح وضوح الشَّمس في كبد السماء هو أنهم يشكِّلون جماعةً منظَّمة يدافعون عن بعضهم البعض، من أجل التشجيع على الرداءة والركاكة. وكلُّ من يخالفني بخصوص الحي الخطير – كأُنموذج – فسأعطيه عدة براهين على ما قلته. الكاتب يعاني من تناقضٍ كبير وهذا واضح وجلي في مقتطف من الرواية يقولُ فيه: لقد كان العالم يتحرَّكُ من حوله بإيقاعهِ الرّتيب، البطيء، في الغالب، السريع بشكلٍ مفاجئ أحيانًا في أوقاتٍ محسوبة ومعروفة مسبقًا. عالمٌ ثابت رغم أنه متحول باستمرار. أطلب من قارئ نهم أن يفسِّر هذا التناقض ، ناهيك عن الأخطاء الإملائية، والتركيب. الرواية رديئة جدًا، فلولا أنَّ الكاتب يجمع حوله جمهورًا فيسبوكيًا لما باع أيَّ نسخة، ولكن جل القراء عرفوا مستواه، فإذا كتب روايةً أخرى فستبقى خالدة في المكتبات.

قد يتساءل البعض ويقول ما سبب انتقادي لهذه الرواية، سأجيب وابتسامة مرحة تعلو محيّاي: صاحبها لا أعرفه ولا علاقة لي به، قرأت الرواية بتمعنٍ شديد، وحاولت تقبل تبريراتهِ المتكرِّرة، لكن دون جدوى، رواية ضعيفة جدًا.

في مقارنةٍ بالغة الأهمية قمت بها مؤخرًا، بعد أنْ قرأتُ للمرة الثانية رواية الكاتب المغربي سعيد الخيز الموسومة بعنوان (نوستالجيا الحب والدمار)، حيث قارنت رواية سعيد الخيز بالحي الخطير، فوجدتُ فرقًا شاسعًا. سعيد الخيز يتحدث عن مشاكل منطقته كأُنموذج لمناطق عديدة تعاني من التهميش، يتطرق إلى الحب بأسلوب رائع، وصفه ومجازاته تترك القارئ في حيرةٍ من أمره. يبدو لي أن سعيد الخيز عندما يكتب فإنَّه يعرفُ ما يكتب، لغته قوية، يحمل قضية ويدافع عنها.
هو شابٌّ متمكِّن من اللغة ومن تقنيات الرواية وبنيتها الدلالية والسيميائية. عندما تقرأ له تعلم أنه يكتب من أجل الكتابة، وتوضيح ما يشغلُ باله. هو روائيٌّ لم تتجمهر وراءه الصحافة والإعلام لأنَّ مواضيع روايته لن تنال إعجاب أي قارئ كيفما كان. وبرغم ذلك صار يفرضُ اسمه شيئًا فشيئًا.

الأدب المغربي صار عبارة عن مستنقع مملوء بالشوائب، يتصارعُ فيه الكُتَّاب؛ وأصبحت فيه الشهرة تلعب دورًا هامًا. يكفيك أن يكون لك اسمًا فقط، فلن يكترث أحدٌ لمضمون الرواية أو القصة، حتى إنْ كان المضمون رديئًا واللغة الركيكة فإن الجميع سيكتبُ مراجعةً لعملك بانبهار، وهناك صنف لم أفهمه يقرأ بعد المقتطفات من عملٍ ما؛ فيكتب مقالًا طويلًا يمدحُ فيه صاحب العمل عن براعته الأدبية. وكما قلت منذ الوهلة الأولى، الأدبُ شيءٌ نبيل ويجب أن يبقى نبيلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد