كيف يمكن لشعب أن يقع تحت وطأة الاحتلال و تتشكل لديه القابلية للهزيمة، أين اختفى الوعي عند الشعوب لمواجهة هذا المد الاستعماري الجارف، وكيف تغيب النخبة المثقفة عن كل ما يحصل وأين دورها في صناعة الوعي هل هي غيابها عفوي أم أنه عن سبق إصرار؟

أسئلة ترواد ذهن كل مهتم بالثقافة ومراقب لحركة التاريخ يفتش ويبحث عن أجوبة لكل أسئلته، ضمن من حاول الإجابة عن سؤال الوعي.. المفكر الإسلامي علي شريعتي حين تحدث عن الاستحمار، يقول الدكتور في كتاب النباهة والاستحمار حين تحدث عن كيفية أستغلال الاستعمار للشعوب وتغييبها تماما عن الوعي وسعيه الحثيث في نشر الاستحمار المباشر وغير المباشر.

أما غير المباشر فهو عبارة عن إلهاء الأذهان بالحقوق البسيطة اللافورية لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة الفورية.

يختصر الدكتور علي شريعتي رحمه الله في تلك الكلمات مشكلة كبيرة جدا من مشاكلنا الاجتماعية والثقافية، وكيف يعمد المستعمر إلى تغييب الوعي عبر إلهاء الشعوب بمعارك جانبية تشغلهم عن المعركة الكبرى وتحرفهم عن المسار العام، وكل ما أراد أن يصنع المستعمر حدثًا كبيرًا داخل الأمة صنع عدة أحداث صغيرة تلتهي بها الشعوب وأدخلتهم في دوامة المعارك الواهية الفارغة ليشغلهم بذلك عن معاركهم الكبرى ويصرف أذهانهم عن الحدث أو المسار العام
وهذا ما وصل إليه عالمنا العربي مع الأسف، وصلنا إليه أفرادًا وشعوبًا.. فمن عاد اليوم يفكر أو يخطر على باله أن يقوم بأي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أو ديني أو فكري وغيره بعد أن أشغلوك بقضايا جزئية وصنعوا لك عقبات وألقوا فوقك رأسك ركاما بات كل حلمك أن تتخطاها وتزيل عنك هذه العقبات وتلقي عن نفسك هذا الركام، ولم يعد بوسع أي فرد عربي أن يذهب أكثر من هذا.. وهو عين ما ذكرته شمس الجزائر أحلام مستغانمي في رائعتها (ذاكرة الجسد): فكيف تريد من شعب غارق في همومه أو مشاكله اليومية أن يقوم بأي ثورة صناعية أو زراعية!

وهو الشكل الحديث من أشكال الاستحمار على حد تعبير شريعتي.. ولعل المشكلة تكمن في بنية العقل العربي أصلًا، والتي عبر عنها مالك بن نبي سابقًا بقوله أن العقل العربي ذري.. يفكر في الجزئيات ويصرف النظر عن الكليات، بل تشغله الجزئية عن الكلية.. فيغرق في دوامتها ليعجز بعدها عن تشكيل صورة عامة عما يحاق له، ولعل الاستحمار لم يعد يقتصر على مستوى الأفراد فقط، بل طالت كافة الجهات على صعيد الشعب، أغرقوا هذا الشعب المسكين بدوامة لعينة لم يعد همه التغيير أو الإصلاح أو التفكير بالمثل العليا وحقيقة هذا الكون وتلك الحياة، بات كل همه الحصول على وظيفة وتأمين حياة يومية، وليس لديه قدرة أن يذهب أكثر من هذا كما قالت أحلام أيضًا: لقد تحولنا إلى أمة من النمل جل همها أن تجمع قوتها وتحتفظ به مع أولادها في جحرها، وهي أحط مرحلة يمكن أن يصل إليها الإنسان، فما عاد يختلف عن الإنسان البدائي الذي كان جل همه أن يجمع قوت يومه.

أما الإنسان الحديث فجل همه أن يجمع من مال يحفظ له كرامته من التسول للناس بعد أن غرق العربي في عالم الحاجيات في زمن سيطرة مطلقة للمادية الجارفة وماذا ستتوقع أصلًا من شعوب تحولت حقوقها إلى أحلام على صعيد العلماء والمصلحين والدعاة.. انشغل العلماء أيضًا بمعارك واهية ودخلوا في دوامات متعددة أشغلتهم عن معاركهم الفكرية الكبرى، وفي كل مرحلة يتسم الصراع والجدل الفارغ حول قضايا معينة لا تسمن ولا تغني من جوع، تارة معارك باسم الأشاعرة والسلفية.. وتارة حول قضايا الموالد الدينية، وتارة حول رفع الإصبع وخفضه وفي كل هذا لا تعليق، ولكن أن تتحول المعارك إلى جدالات وخصومات ثم كتب ومؤلفات واستغراق العمر في الأخذ والرد، أما قضايا العصر الراهنة من إلحاد وتنوير ومعارك أخرى كبرى حول التغريب والاستشراق ومواجهة خطرهما والتصدي للشبه الجديدة المثارة وتأصيل فقهي وشرعي لكل مستحدثات العصر التي غاب التأصيل الشرعي فتلك لها أوانها وأهلها ولا وقت للعلماء أن ينشغلوا عن خلافاتهم ويلتفتوا لها.

 وعلى صعيد الأدب فالحال ليس بأفضل فكما أشغلوا الشعوب والعلماء، فبالطبع للأدباء حظهم ونصيبهم،إنه لمن المعروف أن الأديب هو لسان الأمة الناطق، والمفترض في الأديب أنه يعبر عن حال الأمة وما يعتريها من أحزان وآلام ويصور بؤسها وشقاءها، ومسراتها وأحزانها، وهذا الأدب قد انحرف عن مساره كما انحرفت عشرات المسارات قبله، فبدلًا عن أن يصور الآباء حال أمتهم، انشغلوا بعشرات المعارك الواهية والحروب التي لا تقدم ولا تؤخر، وفي كل مرة تحت شعار جديد، تارة معارك باسم القديم والحديث وتارة حول أين مكمن البلاغة في الألفاظ أم في المعاني وتارة حول مواضيع أخرى لا تقدم ولا تؤخر ولا تزيد سوى إغراق الأديب في مزيد من الانشغال عن معاركه الكبرى وإلهاء له عن رسالته التي خلق لها ونذر نفسه من أجلها.

وعلى كافة الصعد دائمًا ما تشهد المعارك الجانبية والتي تقضي على طاقات هذه الأمة وتهدرها عن معاركها الأصلية الكبرى، والتي لا تدركها إلا بعد أن تنفذ كل طاقتها وتستفرغ أقصى جهدها حينها تعلم أن العمر انقضى فيما يضر، ولا ينفع.. ويبقى السؤال: أي شيطان ذاك الذي يقود خُطا هذه الشعوب نحو الجحيم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد