كلما جلسنا لقراءة كتاب الله وتقع أعيننا على هذه الآية الكريمة التي يقول الله تبارك وتعالى فيها «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»، وتأتي على أذهاننا أسئلة، منها: ما الأسماء التي تعلمها آدم؟ هل هي أسماء الأشياء، هذا أرض وهذه سماء؟ كما يقول المفسرون؟

وعندما نتأمل القصة من بدايتها سنجد الآتي:

أولًا أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، ولم يذكر اسم نبي الله آدم بل ذكر اسمه عند مقام التعليم فيما بينه وبين ربه.

ثانيًا أن الملائكة لم تعترض على الأسماء التي ذكرها الله تبارك وتعالى، ولم يقولوا لا نعرف معنى أرض أو خليفة، بل قالوا بعد هذه الآية أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، إذن الملائكة تعلم أسماء الأشياء، وإذا نظرنا بدقة أكثر في القرآن سنجد أن الجنة أعدها الله للمؤمنين قبل خلق آدم، والملائكة رأوها وشاهدوا أشجارها وأنهارها.

ثالثًا نادى الله على نبيه آدم -عليه السلام- باسمه أمام الملائكة، وقال له أمرًا «قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم»، وهنا إشارة إلى أن اسم آدم كان غريبًا على مسامع الملائكة، والأسماء التي تعلمها آدم هي أسماء الأنبياء والرسل الذين سيأتون من نسل آدم -عليه السلام- وكان مع الملائكة حاضرًا معهم إبليس عليه لعنة الله، فسمع الأسماء وعرفها.

لأن بعدها قالت الملائكة «قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» وبعدما عرفت الملائكة اسم الخليفة وتعرفوا على باقي أسماء الأنبياء والمرسلين، قال الله للملائكة في أمر واضح ذكر فيه اسم نبيه؛ فقال سبحانه وتعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ» لذلك سيقول إبليس بعد ذلك: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين»، والسؤال هنا من أين علم إبليس أن هناك عبادًا لله مخلصين إلا أنه كان حاضرًا مع الملائكة عندما أخبرهم آدم بأسماء كل الأنبياء والمرسلين، وهم المخلصون من عباده، عصمهم الله واصطفاهم، وليس للشيطان عليهم من سبيل

وإذا نظرنا في رحلة الإسراء والمعراج عندما عرج برسول الله، وكلما مر على سماء كان الملائكة يعرفونه، فمن أين ومتى عرفوا رسول الله بتأكيد ذكر اسمه أمامهم من فم نبي الله آدم وقت عرض الأسماء.

وقد جاء في الحديث الصحيح  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَال: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ، قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ»، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وهذا الحديث دليل على أن نبي الله آدم -عليه السلام- كان يتعرف على الأنبياء الذين سيأتون من نسله وهو في مقام تعليم الأسماء.

وفي حديث بدء الوحي سيدنا جبريل -عليه السلام- لم يسأل رسول الله عن اسمه، بل كان يعرفه وناداه باسمه وقال له يا محمد اقرأ وهذا يدل على أن الملائكة عندهم سابق معرفه بكل الأنبياء والمرسلين.

ولا ننس أن الله تبارك وتعالى أطلق بعض أسماء الأنبياء على سور القرآن الكريم مثل سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف وسورة إبراهيم وسورة نوح وسورة محمد.

ولم يسأل سيدنا جبريل، وهو الموكل بنزول الوحي، ما هذه الأسماء، ومن هم هؤلاء، معنى ذلك أنه كان يعرفهم، وسمع أسماءهم في مقام الإعلان عن الأسماء.

وعندما قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، أراد الله أن يخبرهم بأسماء من سيكون صلاح الأرض على أيديهم ومن سيرشدون الناس إلى الله رب العالمين، ومن سيعلمون الناس كيف تكون العبادة لله وحده ويسبحونه ويقدسونه.

فالأسماء التي احتار فيها كثير من المفسرين هي أسماء «الأنبياء والمرسلين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد