يحكى أنه كانت هناك خلية نحل أحوالها جيدة أو كما يقال يخاف منها الأعداء ويفخر بها الأصدقاء، ولكن ذلك لم يعن أنها لم تكن تعانى من المشاكل مثل أية خلية؛ فلقد كان هناك مجرمون وأوغاد، ورشوة وفساد، وسياسيون مخادعون وجنود لا يحاربون وكهنة كاذبون … إلخ.

وفى يوم من الأيام بدأ الجميع فى الشكوى والتساؤل: لماذا هناك فساد؟ لماذا لا يكون الجميع صالحين؟ وساد التذمر الخلية فسمعت الآلهة ذلك التذمر، وقررت معاقبتهم، وكان العقاب بسيطا، وهو مجرد الاستجابة لمطلبهم: خلية بلا أى فساد! وكانت النتائج مدمرة، كل رجال الشرطة والمحامين والقضاة أصبحوا بلا عمل فجأة، وكذلك المعماريون الذين يبنون السجون، الأغنياء لم يعودوا يريدون أن يظهروا آثار النعمة فتوقفوا عن بناء القصور، فلم يعد هناك عمل للبنائين، الأطباء أخبروا مرضاهم بصراحة أنهم لا يستطيعون معالجتهم *وهكذا تدمرت الخلية وهجرها الجميع.

تخبرنا القصة ببساطة أنه ليس هناك شر مطلق فى الأفعال الاجتماعية؛ فالخطيئة الفردية يمكن أن تؤدى إلى صالح المجتمع ككل، وأنه لابد للمجتمع من نسبة معينة من الخطيئة؛ لكى تسير أموره على ما يرام، وهو ما سيطلق عليه لاحقا فى علم الاجتماع “الوظائفية”.

كتب هذه القصة الطبيب الإنجليزى برنارد ماندفيل، وكانت بمثابة توقع لما سيأتى بعدها من نظريات اقتصادية واجتماعية، بل إن أدم سميث استعار من مؤلفها مصطلح “تقسيم العمل” الذى اشتهر به وذكره فى بداية كتابه الأشهر “تحقيق فى طبيعة وأسباب ثروة الأمم”،  كما تخبرنا قصة الخلية أيضا بما أسماه سميث لاحقا: “اليد الخفية”، التى قسمت كل ذلك العمل؛ لتسير أمور و”مصالح” المجتمع بسهولة ويسر، حتى لو تذمر البعض، ولكن هكذا يجب أن تكون فى ظل المعطيات الحالية للمجتمع، فالمجتمع يطور ذاته ويتأقلم حسب إمكاناته، وهنا ليس علينا التدخل كثيرا لنصلح ذلك أو نعدل ذلك، فالميكانيكية الاجتماعية تعرف ماذا تفعل، فقط اتركها للتأقلم، وتعتمد هذه اليد الخفية التى تنظم المجتمع على حرص كل فرد فى المجتمع على مصلحته الخاصة، فأنت لا تعتمد على كرم الخباز أو الجزار لتتناول عشاءك! كما يقول سميث، ولكنك تعتمد على حرصهم على مصلحتهم الخاصة من خلال تطلعهم لشرائك منتجاتهم، وهكذا فكل فرد يسعى لمصلحته الخاصة، وفى المحصلة يزدهر المجتمع**.

كتب سميث كتابه “ثروة الأمم” سنة 1776 بعد حوالى ستة عقود من خلية النحل لماندفيل مستعيرا منه مصطلح تقسيم العمل ليذكره فى صفحاته الأولى كسبب أساسى لزيادة وازدهار ثروة الأمم، ويقصد بتقسيم العمل هنا اختصاص كل فرد فى نوع مخصص من العمل المدفوع الذى يؤديه بانتظام بشكل روتينى بحيث يتخصص كل شخص فى مهمة واحدة من المهام المطلوبة لإخراج المنتج النهائي، مما يقلل من التشتت فى العمل والوقت المهدر فى انتقال العامل من مرحلة إنتاج إلى مرحلة أخرى فتزيد الإنتاجية، كما يصل العامل إلى مرحلة الاحترافية في الجزء المنوط به مع الوقت، فتزيد الاحترافية بشكل أكبر، وهذا هو سر تفوق بريطانيا اقتصاديا، من وجهة نظر سميث، وليس بسبب ساعات العمل الإضافية أو استغلال العمال، أو نهب الثروات من المستعمرات البريطانية.

وهو ما اعترف به سميث ضمنيا فى كتابه الذى كتبه عن العملية الاقتصادية التى أشاد بها كثيرا، كذلك اعترف سميث بأن تقسيم العمل سينتج عنه عامل جاهل بعمله، بل ربما يكون على غير دراية بالمنتج النهائي الذى يعمل عليه، وبالطبع سيؤثر ذلك على عقلية العامل، وعلى اعتزازه وفخره بعمله، وكذلك يقول سميث: بأن ذلك النوع من العمالة الغير ماهرة سيجعل من السهل على صاحب العمل أن يستبدل بالعامل فى أى وقت غيره، وهو ما سيؤدى الى ميل ميزان القوة لصالح أصحاب العمل على حساب العمال.

يعزو سميث الفروق التى تحدث بين إنسان وآخر إلى تقسيم العمل، فالناس يولدون متساوين فى المواهب والقدرات، أو على حد تعبيره: أن الفرق فى البراعة بين طبيعة الفيلسوف وطبيعة الحمال لا تختلف كثيرا عن الفرق بين كلب الدرواس وكلب السلوقي، وهما نوعان من الكلاب، فما يميز الفيلسوف عن الحمال إذا هو تقسيم العمل الذى يظهر فى حياة كل منهما أثناء النشأة فيجعل من أحدهما فيسلوفا ومن الآخر حمالا يحمل له حقيبته.

يتميز سميث بأسلوبه الوصفى الدقيق، فدائما ما يطرح الأمثلة الدالة على أطروحاته من واقع الحياة فى المصانع والمتاجر فى إنجلترا وغيرها، فنراه يستمر فى سرد الحقائق والأحداث المتعلقة بالثروة فى سياق استقرائى بحت، بدون التطرق لأى جوانب أخلاقية أو حتى إظهار أى انزعاج من مظاهر عدم المساواة التى تحدث عنها ما يجعل الأمر مستغربا من بروفيسور فى فلسفة الأخلاق، بل إنه ذهب أبعد من ذلك، واستخدم بعض الألفاظ العنصرية فى كتابه، مثل: إطلاق لفظ المتوحشين على الصيادين فى الأمم الغير مندرجة فى سياق الحضارة الصناعية ممن يطلق عليهم: البدائيون.

من اللافت للنظر تفرقة سميث بين الخادم الحر والخادم الغير حر، معلنا أن الخادم الحر هو أقل كلفة على سيده من الخادم الغير حر؛ إذ إن المال المخصص لاستخدام العبد أو إصلاح حاله على حد تعبير سميث يديره سيده، أما المال المخصص لتلك المهمة بالنسبة للرجل الحر فإنه يقوم بتدبيرها بنفسه، فمثلا إذا مرض العبد فإن سيده مسئول عن علاجه، بالإضافة إلى طعامه وشرابه ومسكنه وغيرها من التكاليف، أما بالنسبة للعامل الحر فإن صاحب العمل لا يتكلف معه إلا بعض النقود مقابل عمله، أما إذا أصابه شيء فالسيد هنا غير مطالب بأى شيء، وهو ما قال به بعض منتقدى الحداثة مؤخرا.

يغلب على سرد الكتاب لفظ العمال كأيدى عاملة تنفذ ولا تفكر، وهنا يأتى دور صاحب العمل وهو الذى يفكر لعمله، وما العمال فيه إلا أدوات، فنراه يتحدث عن دور الأمل المريح، والوعد بإنهاء حياته فى يسر، والعيش الرغيد فى تنشيط وتحفيز العامل واستخدام قوته إلى أقصى حد، وهو ما يدفع معظم العمال فى رأى سميث إلى إنهاك صحتهم وبنيتهم فى غضون سنوات.

كتب سميث كتابه ثروة الأمم فى مرحلة تاريخية حرجة من التاريخ الأوروبى؛ فبعد سنوات قليلة من كتابته قامت الثورة الفرنسية لتعترض على كل أشكال الاستغلال التى وردت فى الكتاب، ولكن من الجدير بالذكر أيضا أن الكتاب قد كتب فى المراحل المبكرة للحداثة، والاقتصاد بشكله الحالي وقبل حوالى مائة عام من ظهور انتقادات ماركس لعملية الاغتراب الناتج عن العملية الصناعية الرأسمالية، فلم تكن كل تلك الآثار السلبية للعملية الصناعية قد ظهرت بعد، ومع ذلك يظل الكتاب بمثابة مخطط للاقتصاد الرأسمالي بشكله الحالي، وله أهمية كبيرة فى فهمه.

___________________________________________________________________________________

 

* كان ذلك صحيحا فى الوقت الذى كتبت فيه القصة

** محاضرة لبروفيسور علم الاجتماع Bart van Heerikhuizen

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد