من القواعد الراسخة في الإسلام: العدل، المتمثل في قول الله سبحانه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ.

والوزر بمعنى الحمل الثقيل، وأيضاً تأتي بمعنى المسؤولية؛ لأنَّ المسؤولية ـ أيضًا ـ حمل معنوي ثقيل على عاتق الإِنسان، فإِذا قيل للوزير وزيرًا، فإِنّما هو لتحمله المسؤولية الثقيلة على عاتقه مِن قبل الناس أو الأمير والحاكم.

وفي تفسير الطبري لقوله تعالي: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، يقول: لا تأثم آثمة إثم آثمة أخرى غيرها، ولا تُؤاخَذ إلا بإثم نفسها، يعلم عز وجل عباده أن على كل نفس ما جنت، وأنها لا تُؤاخَذ بذنب غيرها. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط عن السدي: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. قال : لا يؤخذ أحد بذنب أحد. أي أن الله سبحانه وتعالى لن يُؤاخذنا بذنب لم نقترفه.
فإذا كان الأمر كذلك إذن فلماذ نحن على الأرض؟ ألم يعاقب الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام بنزوله إلى الأرض، نظرًا لمعصيته أمر ربه بالأكل من الشجرة؟ ما ذنبنا نحن أن نُعَاقَب بذنب لم نقترفه؟
والحقيقة ان هذا سؤال وجيه جدًا، ومنطقي للغاية، وللإجابة عليه، علينا أولًا أن نعلم أن فكرة أن آدم عليه السلام نزل إلى الارض عقابًا من الله على معصيته، وأنه لو لم يعص ربه لظل في الجنة إلى الأبد، هذه فكرة خاطئة تمامًا، ولا يوجد دليل واحد على أن ادم لو لم يأكل من الشجرة لظل في الجنة، وللأسف الشديد أغلب المسلمين يعتقدون أنه لولا معصية آدم وأكله من الشجرة لكنا نعيش في الجنة الآن. ويستدلون على قولهم هذا بقول الله سبحانه: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. وأن أمر الله لهم بالنزول جاء عقب: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ

 والحقيقة أن سيدنا آدم عليه السلام كان سينزل إلى الأرض سواء عصى أمر ربه بالأكل من الشجرة المنهي عنها أو لم يعص.
والدليل على هذا الكلام هو مشهد ما قبل بداية خلق  آدم عليه السلام، عندما قال الله للملائكة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

نلاحظ هنا أن الله قال للملائكة: إني جاعل في الأرض، ولم يقل في الجنة، هذا الحوار بين الله والملائكة كان قبل خلق آدم من الأساس، وقبل دخوله الجنة، وأكله من الشجرة المنهي عنها، إذن الهدف هنا من خلق آدم واضح حتى قبل أن يخلق الله آدم، وهو أن الله خلق آدم في الأصل ليكون خليفته في الأرض،  ولم يخلقه ليكون خليفته في الجنة!

 إذن نزول آدم إلى الأرض كان أمرًا حتميًا منتهيًا، وإنما كان نزوله إلى الأرض بسبب معصيته لأمر ربه مجرد سبب، ولو زال هذا السبب كان آدم سينزل إلى الأرض أيضًا، سواء بسبب مثل الأكل من الشجرة، أو بدون سبب؛ لان الهدف من خلقه في الأساس هو وجوده في الأرض، فلو افترضنا جدلًا أن آدم لم يعص ربه، ولم يأكل من الشجرة، كان آدم سينزل إلى الأرض أيضًا.

إذن وجودنا في الارض ليس ظلمًا لنا ولا عقابا لنا على ذنب لم نقترفه، وجودنا في الأرض ووظيفتنا في الأرض أمر كان محددًا حتى قبل خلق آدم من الأساس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آدم, الخلق, الذنب
عرض التعليقات
تحميل المزيد