يقول «ألكس أوزبون»  في إحدى مقولاته: «كل الناس قادرون على التفكير إبداعيًّا إذا لم يتم منعهم من ذلك بالتربية والتعليم».

من الأمتار الأولى في رحلة الشباب بعالمنا العربي نحو مصالحة ذاتهم والبحث عن هويتهم، تواجههم مجموعة من الصدامات والعراقيل على مستويات مختلفة رافضة لما قد ينتجه الشاب من أفكار جديدة وإبداعات فنية سواء أكانت (رسمًا، موسيقى، رقصًا، أدبًا…)، والتي  قد تخلق أنماطًا جديدة للفهم والتفكير والإحساس.

وبمجرد أن يتصادم الشخص مع مجتمع متعارض مع ذاته، ومع دولة تقوم بمحاربته كعدو داخلي دخيل، تصبح جل ممارساته عدوانية اتجاه هذا المحيط الذي حاربه منذ البداية، وطنية ضد الوطن، وأخلاق ضد الأخلاق، وفن ضد الفن، ثم بعدها يلام على ما وصل إليه حتى يقال عنه عالة على المجتمع، ويتم تكسيره ومحاكمته من جديد من طرف الدولة التي حاربته منذ البداية، ومن طرف الذين قاموا بزرع روح الحقد به منذ أولى خطواته في الانفتاح على المحيط.

وغير بعيد، فخلال الأسبوع الماضي انطلق أحد البرامج التلفزيونية الداعمة للمواهب والطاقات بالعالم العربي، وقد عرف البرنامج مشاركة أحد شباب المدينة حيث أقطن. تحدثت إحدى جرائد المدينة عن هذه المشاركة، وشجعت الشاب الذي قام بالتعبير عن موهبته في الرقص فوق الخشبة، لكن ردود الأفعال التي كانت في التعليقات صبّ أغلبها في تحطيم الشاب والدعوة له بالهداية متهمينه، باسم الدين، بالفسق والفجور، كما لم يبخلوا عليه بأخلص التمنيات له بعدم التوفيق في مشواره بالبرنامج.

ولم تقف مظاهر محاربة الشباب كمنتج للإبداع عند هذا الحد، بل تصادمت اليوم مع خبر منع ولاية أمن مدينة الدار البيضاء لفناني الشارع من مزاولة نشاطهم، والتعبير عن مواهبهم أمام الملأ، في خطوة أشبه برصاصة الرحمة على المبدعين الشباب، وعلى الحرية وثقافة الشارع بهذا الوطن، في اللحظة التي تعطي السلطات الحرية التامة لظاهرة السرقة بالانتشار، وإن اعتبرنا هذا لأمر طبيعي عندما يتم محاربة الثقافة والوعي.

إن أخطر عدو يواجهه شبابنا العربي، والذي يفتك بهويتهم هو مخدر «الدولة» كنظام وأفراد -قطعان- مجتمعية محاربة للفكر الراقي وللإبداع عمومًا، «الدولة» كمصدّر لخطابات تخديرية تنويمية تقود الجماعة للوقوف ضد الشخص وجرّه من سلوكه الفردي إلى تعبئته وتلقينه سلوكياتهم الجماعية الغبية، وكأن مصلحة الدولة تكمن في إنتاج شخص لا هو بمثقف ولا هو بواعٍ، شخص خاضع لمنهجية محددة فرضت عليه انطلاقًا من فضاء المدرسة إلى محيطه الخارجي إلى غاية التأثير في ذاته الداخلية، منهجية تحث الفرد على لعب أوراق اليانصيب، وما يجاورها من ألعاب القمار كأقصى تجليات المتعة مع شعارات من قبيل «أطلق العنان لحماسك ولشغفك».

عندما نتحدث عن قتل الإبداع، وعن طمس هوية المجتمع وتخديرها، فإننا نتحدث عن نظام تعليمي فاشل غير متوازن، نتحدث عن قوى ميدانية قامعة للتعبير بشتى أنواعه ورافضة لقول كلمة «لا»،نتحدث عن برلمان ومؤسسات سياسية عاطلة عن إيصال صوت الشعب للجهات المعنية، ثم نتحدث أيضًا  عن إدمان غير محسوس يتم محاربة دوائه بخطط محكمة من طرف مصدّري أفيون الشعوب.

و هذا بالضبط هو الفرق بين مجتمعاتنا العربية المحاربة للشباب المبدع ومجتمعاتهم الغربية التي ارتقت بأفكار شبابها وإبداعاتهم، فأضحينا وطنًا عربيًّا منبوذًا أشبه بدار المسنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد