من المؤكد أن عباراتٍ مثل: منطقة الراحة، واستثمار وقت الفراغ… وغيرها من عباراتٍ مشابهة قد استغرقت من كل منا مدة معينةً طالت أو قصرت، ربما استغرقته بعمق أو تجاوزها بعد مدة، أو ربما فعل بعدما أربكته، وضعته في مفترق طرق، صراع داخلي، أو حدت به إلى مشكلة نفسية حتى.

يأخذ الكثير من البشر قيمتهم وتقديرهم لأنفسهم مما ينجزونه من أعمال مختلفة، بالمعنى العملي أو المعنوي، وهذا الأمر بغض النظر عن صحته أو خطئه، يجعلهم لا يفوتون عباراتٍ كالسابقة دون النظر لها وقياسها على حالهم، فيبدأون بالمقارنات، مع أنفسهم في وقتٍ سابق، أو مع الآخرين، وهذه المقارنة قلما حفزت إنسانًا تحفيزًا إيجابيًا نحو التغيير، بل كثيرًا ما حطمته، وهنا تكمن المشكلة.

يشعر الشخصُ بأنه يفتقد تقديره لنفسه، تلك الفرحة التي تتلو عملًا عظيمًا وتغمره لأيامٍ بالرضى وتعفيه من مهام متعددة وربما سمى هذا إجازة من الإنجاز، وربما فعله دون أن يسميه. يفتقد ثناءات الناس، ويفتقد – الآن في عهد «السوشال ميديا» – رفع صور إنجازاته على منصاته الخاصة جاعلًا من الأمر حالة عامةً لأيامه في ذات الوقت الذي تهبط فيه وتعلو نظراته مع أرقام الإعجابات والمشاركات وتعليقات الآخرين، ومعنوياته تقفز عاليًا جدًا دون أن يدرك أنها سترتد ارتدادًا ربما يؤلمه. هذا الافتقاد لشعور كهذا ربما كان الدافع الحقيقي للإنجاز، وهذا ليس عيبًا في حد ذاته: الفرح بالإنجاز، بل العيب يكمن في انتفاء الرضا عن النفس ما لم يرتبط هذا بحدثٍ معين.

مع الارتداد الروتيني للمعنويات لأقل حالاتها انخفاضًا يبدأ المرء ربما بالبحث عن هدف آخر يجعله يعيد على نفسه هذا الشعور من جديد، وما لم يجد الإنسان خلال جوعه للشعور إنجازًا آخر فإن الأمر ربما يتحول لنوبة حزن أو ملل، أو غضب أو حتى اكتئاب، فيبدأ الشخص في احتساب أيامه التي مضت دون إنجاز معينٍ حققه، واضعًا كم هذه الأيام – وحدهُ – بعين الاعتبار، دون النظر كيف مرت، وكم كابد – ربما – لمرورها، وهو لا يفكر، ولا يحاول استرجاعها من جديد ليرى إن كانت مناسبة حتى لإنجاز ما رغب في إنجازه أو لا، أو ليرى إن مرت بسلام فقط، أو ناسيًا تمامًا أن قيمة الإنسان لا تستمد سوى من روح الإنسان لا من أفعالٍ معينة يفعلها، أو ابتلعه الروتين حتى ظن أن العمل اليومي، والأفراح الصغيرة اليومية لا تحتسب في عداد الإنجازات هذا، وهو يختار أن يمنح أشياءَ بعينها دون أشياء، هذا الإصطلاح: إنجازات.

ثم تجده يصادف في طريقه كلماتٍ مثل: منطقة الراحة، نشاطات المساء، استثمار أوقات الفراغ. فتزيد من أمره تعقيدًا، ويبدأ بالتفكير في حشو وقتٍ مليءٍ أصلًا، أو حشو وقت راحة أو وقت نشاطٍ اجتماعي مهما كان صغيرًا – كحوار مع طفله أو أهله – يحشوه بهذه النشاطات التي صورها له العالم مثالية، ومناسبة وقابلة للتطبيق في كل زمان ومكان.

إنه من العبث إنكار أهمية ملء وقت الفراغ أو الخروج من منطقة الراحة، بالتأكيد، بيد أنه سيكون من العبث أيضًا التفكير بفعل هذه الأشياء لأسباب أخرى غير حاجتنا لها فعلًا، أقصد أن نفكر فيها دون أن يكون لنا وقتُ فراغٍ نملؤه، أو دون حاجتنا للخروج من منطقة الراحة لأننا قد فعلنا أصلًا، أو لأن الوقت لم يحن بعد، أو فعلِ ذلك فقط لحاقًا بالمثالية التي يصورها «السوشال ميديا»، وهؤلاء الناس خلف المنشورات الذين لا يعرفون ظروف حياتنا أو إمكانياتها، وهذا شأنٌ بحاله – شأن السوشال ميديا هذا – تلزمه كلمات كثيرة وتشريح دقيق. لكن الأخطر من ذلك: فعلها لاستمداد قيمتنا منها. ذلك ما يجعلنا في سباقٍ محمومٍ مع الآخرين ومع أنفسنا، وفي إدمان يجعلنا نفتقر لأسبابٍ حقيقية للعمل، ويجعل العمل يفقد احترافيته ما لم يسلط عليه ضوء ما، ويجعلنا نعاني هشاشة نفسية كبيرة في تعاملنا مع أنفسنا، نابعة من بنية نفسية آيلة للهبوط، تغذيها الأضواء وفرح الإنجازات وتخبو بالروتين ظنًا منا أن هذا كسل وسوء، دون أن ندرك أن لحظات الإنجاز هي الاستثناء، لا لحظات الروتين والأيام العادية.

إننا حتى صرنا ننظر لكلمة روتين نظرة سلبية تمامًا!

لهذه الحياة قواعدُ تعرف بالتجربة، منها أن الأصل ليس احتشاد الحياة بالإنجازات المتسارعة خاصةً تلك الإنجازات مادية الطابع، وليس الأصل خلو الحياة من لحظات الأنس والصفاء الداخلي والنظر إلى الأعماق والكلام إلى النفس، ولحظات الكسل حتى، هذه الحياة ليست عدادًا ضوئيَّ السرعة لمهام معينة، حياةٌ كهذه ليست قابلة للتصور فضلًا عن التطبيق، وهذا الزخم الذي كرست له منشورات المشاهير – شعروا أو لم يشعروا – ومقالات التنمية البشرية – لأجل دافعٍ شرير أو طيب – وكرست له الرأسمالية لتُشرعِن رقَّها للناس، وكرس له مدعون لا يفهمون الأمر كما هو الأمر، هذا الزخم لا ينبغي أن يبلع بشريتنا في خضمه، ويكسبنا بدلًا عنها أمراض نفسية أقلها النظر لأنفسنا بدونية.

في الحياةِ فرصة لإنجازات كثيرة ممتعة وعظيمة ليفعلها المرء ليطور نفسه، ليرتقي في مجاله المعرفي، ليضيف مجالًا آخر لما يحسن فعله، ليخفف عن معاناة، ليكسب كسبًا ماديًا، لأجل أن يلبث قليلًا في الأضواء فهذه سجية في الإنسان عادية لا تنتمي لأي شر، ليكتسب الرضى دون أن يتوتر، لهذه الأسباب ولأسباب شخصية أخرى تخص كل إنسان، لا يجب أن يكون منها قطعًا استرداد قيمة النفس من جديد حتى إنجازٍ آخر.

إن قرار الإنسان غالبًا في يده، من حيث الرضا أو السخط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد