نحن نعيش في عصر بُنيَ على استعباد الإنسان بطرق غير مباشرة. فالعالم يفتخر أنه قضى على عصر الاستعباد وحول تجارة العبيد إلى تجارة من الماضي السحيق.

حسنًا قد يبدو هذا للوهلة الأولى صحيحًا لكن إذا نظرنا إلى هذه الحقيقة بعمق أكبر، هل ستظل ناصعة البياض؟

أعتقد أننا قد نتفق أنها لن تكون كذلك. فالرق في القرن الحادي والعشرين اتخذ أشكالًا وطرقًا عديدة حتى أنني أعجز عن حصرها جميعًا. لقد اعتمدت الدول الكبرى والشركات عابرة القارات على دراسة الإنسان نفسيًا وجسديًا والتوصل إلى أفضل الطرق التي تمكنهم من السيطرة عليه برضاه.
لقد تقدم العلم تقدما كبيرًا، ووصل إلى آفاق جديدة تتيح للمنظمات المختلفة أن تفهم طبيعة النفس البشرية فهمًا عميقًا، وبالتالي صَممت العديد من الثقافات التي تحكم سيطرتها على النفس البشرية، لقد صَممت الإدمان.

نعم لقد نجحت نجاحًا باهرًا في استغلال كل الرغبات والميول الإدمانية في النفس البشرية، واستدرجتها إلى مصيدة الإدمان بحيث تصبح النفس أسيرة رغباتها ولا تستطيع الفكاك منها إلا بشق الأنفس، وبالتالي يسهل عليها الاستسلام لها، والرضا بهذه الحالة المزرية من فقدان السيطرة على النفس والتحكم فيما نريده وما لا نريده.
وفي هذا المقال نستعرض معًا بعضًا من أشهر المصايد التي تأخذنا إلى عالم الإدمان.

 

ولكن دعنا نتفق – قبل استعراضها – على أن هذه الرغبات الإدمانية تختلف من شخص لآخر بناء على العديد من العوامل والتي قد نستعرضها في مقال آخر. ولكني متأكد أن كل واحد منا قد سقط في مصيدة واحدة على الأقل، ولنتذكر دائمًا “إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده”.

 

1- الإدمان الأزرق

 

يظهر جليًا من الاسم ما أقصده فهو إدمان مواقع وأدوات التواصل الاجتماعي وعلى رأسهم فيس بوك. مع عدد مستخدمين وصل إلى 2.13 بليون مستخدم لجميع شبكات التواصل الاجتماعي، منهم 1.44 بليون مستخدم للفيس بوك، و333 مليون مستخدم لتويتر. ومع الوقت الذي يمضيه الفرد على مواقع التواصل الاجتماعي من متابعة لآخر التحديثات، ونشر للصور، والحالة، والإعجابات والتعليقات وأيضًا التشيك إن. فإن هذا الوقت قد ازداد بنسبة ملحوظة جدًا مع التطور الأخير للهواتف الذكية وأيضًا توفر 3G/Wi-fi في كل مكان.

 

ومن العلامات التي قد تأكد لك وقوعك في مصيدة الإدمان:

1- النشر المبالغ فيه حتى أنه من العجيب أنك تجد أناسًا تنشر دقائق الأمور الشخصية في حياتها! ومع زيادة الاستخدام تجد أن الشخص تحول من النسبة الطبيعية لحديثه عن نفسه وهي تتراوح من 30% إلى 40% إلى نسبة تصل إلى 80% من حديثه يصبح حول نفسه.

2- العودة دائمًا للتأكد من وجود جديد في حساباتنا كلما سنحت لنا الفرصة.

3- قضاء العديد والعديد من الساعات يوميًا في تصفح المواقع الاجتماعية.

4- جنون إضافة الأصدقاء وجعل الأمر وكأنه سباق يجب فعله في أقل وقت ممكن.

5- القضاء على الحياة الاجتماعية في الحياة العادية والشعور بأن حياتك كلها أصبحت في العالم الافتراضي فقط.

وفي النهاية لو استفضت في الحديث عن إدمان المواقع الاجتماعية وأثرها السلبي على حياتنا وواقعنا الحقيقي لما انتهيت ولذلك أضيف إليكم عددًا من المقالات لمن أراد أن يستزيد، الأولى تتحدث عن الوحدة القاتلة وكيف أنها نتيجة لما خلقه لنا العالم الافتراضي، والثانية عن أعراض إدمان مواقع التواصل الاجتماعي بشيء من التفصيل، والثالثة كيف أن التكنولوجيا عمومًا تؤثر على سلوكنا تجاه من نحب الصراخ وعلاقته بإدمان الهواتف الذكية.

 

2- أوَكُلما اشتَهَيتَ!

 

 

يُذكر في الأثر أن عمر بن الخطاب رأى لحمًا معلقًا في يد جابر بن عبد الله فقال: “ما هذا يا جابر؟” قال “اشتهيت لحمًا فاشتريته”، فقال عمر: “أوكلما اشتهيت اشتريت يا جابر”.

أوكلما اشتهيت اشتريت! نعم يا سادة فنحن في زمن الاستهلاك لقد أصبح الشراء شهوة من أجل الشراء فقط لا غير. لقد أصبحنا نتسوق ونشتري من أجل أن نُروّح عن أنفسنا وأن نشعر بالرضا والراحة. لقد تحول الشراء من غاية أساسية وهي الحصول على ما يقيم صلب الإنسان ويعينه على الحياة إلى رغبة إدمانية.

ولقد عملت الشركات من خلال التسويق والإعلان عن منتجاتها بخلق الرغبة داخلنا لشراء أي شيء وكل شيء حتى ونحن لا نحتاج إليه أصلًا. وأصبح كثير من الناس اليوم كلما شعر بالإحباط أو الإجهاد يهرب إلى الأسواق ويحيط نفسه بالكثير من الأشياء التي لا يحتاج إليها فقط لكي يستشعر إحساسًا زائفًا بالرضا عن نفسه. انظر كيف تعجب عمر بن الخطاب من الصحابي الجليل وقال له أوكلما اشتهيت اشتريت يستنكر عليه انقياده لشهواته ورغباته دون أن يكون له سيطرة عليها!
وهذا ما يحدث لنا جميعًا عندما نسقط في مصيدة الإدمان تصبح رغباتنا وشهواتنا هي المسيطرة والمتحكمة فينا ونحن نصبح عاجزين عن أي شيء سوى الانقياد لها.

ولقد تحدث أحمد الشقيري في الموسم العاشر عن هذه الشهوة في حلقته أوَكُلما اشتَهَيتَ!

وأيضًا لمن أراد أن يفهم أكثر عن نمط الحياة الذي أوصلنا إلى هذه المصيدة في مقالة نمط حياتك المحدد مسبقًا.

 

 

3- مصيدة المواقع الإباحية


 

هل حقًا تعد المواقع الإباحية إدمانًا؟ وهل من الممكن أنها تُحكم قبضتها علينا؟ وكيف تؤثر على سلوكنا ونظرتنا تجاه الجنس الآخر؟ وهل يعد إدمان المواقع الإباحية مسؤولًا بشكل مباشر عن التحرش الجنسي؟ وكيف يمكننا معرفة إذا كنا مدمنين حقًا أم أنها مجرد شهوة عابرة وتمضي؟
الكثير والكثير من الأسئلة طرحت حول هذا الموضوع، ودار حولها الجدل في كل من الأوساط العلمية والطبية والدينية على حد سواء. وعلى مر الزمن تغيرت الكثير من القناعات حول إمكانية أن تصبح مشاهدة المواد الإباحية إدمانًا. بداية من مجلات البلاي بوى، مرورًا بأشرطة الفيديو، ثم مقاطع البلوتوث، وانتهاءً بهذا الكم والكيف المتنوع والهائل من الأفلام والفيديوهات على الإنترنت.

وتظهر الإحصائيات أن 12% من المواقع على الإنترنت هي مواقع إباحية وهذا يعادل أكثر من 25 مليون موقع وأنه في كل ثانية يصرف ما يعادل 3000 دولار أمريكي على المواد الإباحية ويشاهد ما يتخطى 30000 شخص لهذه المواقع، وأن حجم الإيرادات الناتجة من صناعة البورنوجرافي في أمريكا بلغت 2.84 بليون دولار أمريكي وفي العالم بلغت 4.9 بليون دولار وأنه يتم البحث عن كلمة بورن في محركات البحث 68 مليون مرة يوميًا ويتم البحث عن بورن للأطفال أكثر من 116 ألف مرة يوميًا!

هل الأرقام صادمة بالنسبة لك حسنًا هذا ما أتحدث عنه إنه إدمان بالمعنى الحرفي للكلمة. وهل ما زلت تعتقد أن الأسئلة تحتاج إلى جواب أكثر من هذه الإحصائيات!

أجل إنها حقًا مصيدة لأن مرة واحدة فقط هي أكثر من اللازم لتسقط في مستنقع الإدمان وتعاني منه الكثير والكثير من الآلام. لقد تفحشت صناعة المواد الإباحية وانتشرت في جميع أنحاء العالم وأصبحت تعتمد على إثارة غرائز البشر وإدمانه من أجل المزيد والمزيد من الربح والتوسع. وقد نجحوا في ذلك نجاحًا باهرًا.

وبكل تأكيد فإن نجاحه جاء من كون وجود هذه الشهوة فطريًا فينا واعتمدوا على أحدث ما توصل إليه العلم واستطاعوا أن يأسرونا في قفص الإدمان.
ويبقى أن تعرف أن إدماننا يؤثر علينا بشكل لا نرضاه لأنفسنا وأننا إذا استسلمنا له سوف يجردنا من إنسانيتنا ويقضي علينا.

4- إدمان المخدرات

 

يأتي إدمان المخدرات من حيث الانتشار في ذيل القائمة حيث يسبقه الكثير من الأنواع الأخرى وفي اعتقادي أن ذلك يرجع لأن الجميع متفقون على أنه إدمان حقًا، وأن المجتمعات تمد يد العون لكل من تظهر عليه علامات ودلائل إدمان المخدرات.
لكن الأنواع الأخرى التي تحدثنا عنها سابقًا نادرًا ما تعطي علامات ظاهرة حيث أن أغلبها تؤثر على نفسية الإنسان ويكون أثرها مدمرًا لكنه يظل داخليًا وقليل من يستطيع أن يلاحظ هذا الأثر.

برغم معرفتنا لشدة خطر إدمان المخدرات وأنها في كثير من الأحيان تؤدي بصاحبها إلى الموت إلا أن الأنواع الأخرى لا تقل خطرًا حيث أنها قد تفضي إلى الموت أيضًا!

فالمخدرات تؤثر على جسمنا وعلى قدرته على الاستمرار في الحياة والأنواع السابقة تؤثر على نفسيتنا وعلى قدرتها على الاستمرار في الحياة، وقد تؤدي إلى الاكتئاب والذي بدوره يفضي أحيانًا إلى الانتحار إذا لم يجد الشخص العلاج المناسب.

نتفق جميعًا أن إدمان المخدرات أشد خطرًا من سابقيه ولكننا نتفق أيضًا أن الحكومات والعديد من المنظمات المدنية تبذل جهودًا هائلة من أجل القضاء عليه ومحاربته ومساعدة المرضى الذين سقطوا في مصيدته للتحرر من قيوده عليهم والعودة مرة أخرى للحياة السوية.

ولكن مع التقدم التكنولوجي الهائل فإننا نواجه نوعًا جديدًا من إدمان المخدرات إنها المخدرات الرقمية وهل حقًا أنها سوف تحل محل المخدرات في المستقبل القريب. وهل تؤدي إلى أضرار أيضًا؟ والسؤال الأهم هل حقًا تفضي إلى الوفاة؟ يمكنك أن تعرف عنها أكثر في هذا المقال هل سمعت عن المخدرات الرقمية من قبل؟

بالتأكيد ما زال هناك العديد والعديد من الإدمانات التي من الممكن أن نسقط فيها مثل إدمان الوجبات السريعة وما يسببه من سمنة وأمراض أخرى وبالطبع السجائر وغيرها ولكن لا يتسع لها المقال.

وفي النهاية أود أن أطمئن الجميع أنه “ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء”.

ويجب علينا أن نغتنم الفرصة الذهبية بحلول شهر رمضان الكريم وأن نعيد حساباتنا مرة أخرى وأن نسأل أنفسنا دائمًا لماذا أفعل كذا وما الهدف الحقيقي من أدائي لهذا الفعل أو ذاك، حتى نستطيع أن نتيقن من كل أمور حياتنا. ولا ندع الحياة هي التي تقودنا وتذهب بنا حيث أفضت، بل نصبح نحن من نقود ونتحكم فيها لنصل إلى ما نريده حقًا ونحقق كل أحلامنا وأهدافنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد