خلال السنوات القليلة الماضية، تعالت أصوات بعض النقاد والمثقفين تطالب الفنان عادل إمام باعتزال التمثيل؛ نظرًا إلى تقدمه في العمر، وضعف الأعمال الدرامية التي يقوم بها، وهي مجموعة المسلسلات التلفزيونية التي بدأها عام 2012 بـ«فرقة ناجي عطا الله»، مرورًا بـ«العراف، وصاحب السعادة، وأستاذ ورئيس قسم، ومأمون وشركاه، وعفاريت عدلي علام»، وانتهاء بمسلسله الذي يعرض حاليًا «عوالم خفية».

ما يزعجني في الأمر هي محاولات الحجر على الزعيم لإنهاء مسيرته الفنية التي امتدت لأكثر من 50 عامًا، واعتقاد كل شخص أنه وحده يمتلك الحكمة والرأي السديد ليحكم على عادل إمام بوجوب الاعتزال أو القبول بأدوار ثانوية والتخلي عن دور البطولة.

الرد على هذه الحرب الشعواء ضد الزعيم –الذي في رأيي أعظم فنان أنجبته مصر– يتطلب مني وضع الأمور في شقين: الشق الأول يتعلق بالأموال والأرباح، فرغم وصوله إلى سن 78 عامًا لا يزال عادل إمام هو الفنان الأعلى أجرًا وبفارق شاسع عن باقي الفنانين، وبالمنطق، لا يمكن له أن يجذب شركات الإنتاج والمعلنين، ولا يمكن للقنوات الفضائية التسابق للفوز بالحقوق الحصرية لبث مسلسله الرمضاني كل عام، من باب المجاملة للرجل وتاريخه! قطعًا لا، فالحقيقة تقول إن الزعيم لا يزال يتمتع بكامل إمكاناته وقدراته الفنية حتى وإن اقتصرت أدواره على قوالب بعينها تلائم سنه، الرجل لا يزال مرغوبًا من قبل الجمهور المصري والعربي.

الشق الثاني، يتعلق بالجانب النقدي للأعمال التي يقدمها إمام خلال السنوات الست الأخيرة، فبمتابعة بسيطة لتقييمات الجمهور عبر المواقع الفنية المختلفة، نجد أن مسلسلات الرجل جميعها باستثناء مسلسله الأخير «عفاريت عدلي علام»، حصلت على متوسط تقييم 8 من 10، سيقول البعض إن هذه التقييمات تخص الجمهور العادي الذي لا يفهم في النقد الفني شيئًا، وهنا الرد بسيط، فالأعمال الفنية يا سادة هدفها إرضاء الجمهور بالأساس وليس النقاد.

هذا بالنسبة للذين ينتقدون الرجل بسبب مسلسلاته التلفزيونية الأخيرة، إلا أن هناك فريقًا آخر من كارهي عادل إمام يرى أن الرجل مات واندثر فنيًّا منذ بداية الألفية أي قبل 18 عامًا من الآن! ومنهم من يتجاوز ذلك ليقلل من مسيرة الرجل في التسعينيات أيضًا! نعم هناك من يحكمون بأحكامهم فيخسفون بعقدين من رحلة الرجل أرضًا! تقول لهم إن الرجل قدم فيلم «مرجان أحمد مرجان» وفضح من خلاله الفساد المالي واستغلال السلطة فيكابرون. تقول لهم إن الرجل قدم خلال تلك الفترة فيلم «حسن ومرقص» وحذر من الفتنة الطائفية يصمون آذانهم. ويقولون لك وماذا عن «بوبوس» هذا الفيلم التافه! والغريب أنه رغم الضعف الفني لفيلم «بوبوس» لكنه أيضًا وكما عودنا إمام حوى قضية جوهرها زواج المال بالسلطة، وفساد رجال الأعمال ونهبهم الأموال والهروب بها.

المثير للدهشة عندما ترى بعض أولئك المثقفين ينتقد عادل إمام على أفلام مثل «التجربة الدنماركية» أو «بخيت وعديلة» أو «عريس من جهة أمنية» أو «السفارة في العمارة» وغيرها، وعندما تدقق النظر تجد أن كل تلك الأفلام هي أفلام كوميدية، وهذه خطيئة عادل إمام الكوميديان، الذي تألق وأبدع وأجاد في الأفلام الاجتماعية والسياسية كـ«طيور الظلام، والأفوكاتو، وحتى لا يطير الدخان، والواد محروس بتاع الوزير» حتى نسي البعض أنه في الأصل ممثل كوميديان، وأن أفلامه الكوميدية هدفها الرئيسي والوحيد هو إضحاك الجمهور، وهذا ما نجح فيه الرجل عبر الأفلام التي يراها البعض أفلامًا دون المستوى!

ملحوظة أخرى أود الإشارة إليها، وهي أنه في تلك السنوات التي حكم فيها البعض على عادل إمام بالموت الفني، حصل الرجل على جوائز رفيعة، أهمها جائزة أفضل ممثل لأفلام السرد عام 2006 من مهرجان تريبيكا السينمائي الدولي في نيويورك، وجائزة لجنة التحكيم الدولية لأفضل ممثل عام 2006 عن فيلم عمارة يعقوبيان من مهرجان ساو باولو السينمائي الدولي.

شئنا أم أبينا، سيبقى عادل إمام في ذاكرة مصر لأنه هو ذاكرة مصر المعاصرة، منذ الستينيات وحتى الآن، سيبقى عظيمًا ومبدعًا مهما طال العمر، فالموهبة شابة لا تشيخ ولا تؤثر فيها عوامل الدهر، سيبقى معشوق الملايين، لكنه أيضًا مكروه من دراويش عبد الناصر بسبب «إحنا بتوع الأتوبيس»، ومغضوب عليه من دراويش السادات بسبب «الأفوكاتو»، ومنبوذ من دروايش مبارك بسبب «الزعيم وطيور الظلام»، وكافر في نظر الإسلاميين بسبب «الإرهابي»، وبرجوازي وأرستقراطي في نظر اليساريين والدادة الرفيقة أم عطيات. #بؤس

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد