في فجر حالك، لم يفصح عن أسراره، نراه وهو مخفي الملامح، متجها صوب بائع الجرائد، يختار لنفسه صحيفة الأهرام، يمنح للبائع قطعة نقدية يتيمة، بعد ذلك، يتفاجأ بجيش من السيارات صنف رباعية الدفع، تخرج منها أجساد مفتولة، يخطفونه، ويغطون رأسه بغطاء أسود، يتم اقتياده إلى مكان خلاء، يُْرمى به على الأرض، يتنافس أصحاب العضلات المنتفخة على ضربه الواحد تلو الآخر، بين لكمة وأخرى، يستسلم ويسلم أشلائه لحضيض الأرض، ثم يسقط مغشيا عليه، تدور وتدور حوله تلك السيارات الضخمة، تصنع زوبعة من الغبار، ثم تُخْفي أَمَارات جسمه المتهالك.

نحن في البداية، كمتلقين لم نعرف من هو هذا الشخص؟

لكن في مشاهد متتالية، تكرر اسم “فوزي جمعة”، فالكل يتحدث عنه، والكل يبحث عنه، فشخصية “متولي” الطالب الحاصل على شهادة الماجيستير في علم الحشرات يستجدي به ويطلب مساعدته للتدخل في حل مشكلة التلاعب في نتائج امتحانات ولوج درجة الدكتوراه، أما رئيس الجامعة، فهو يشتكي من تحريضه للطلبة على ممارسة التظاهر والاحتجاجات، ونشر منشورات تطالب بتنحيه من منصبه، قائد الحرس الجامعي هو كذلك يبحث عنه، من أجل ان يتباحث معه في مسألة التظاهر والتحريض على “الفوضى”، يتفاجأ رجل أعمال كبير ومهم في مصر بأن ابنته البكر ترفض الزواج من ابن رئيس الوزراء، مبررة ذلك بكون هذا الارتباط لايعدو ان يكون سوى زواج قذر بين المال والسلطة، يكتشف الأب(رجل الأعمال) بأن كلام ابنته نابع من تأثرها بأفكار “فوزي جمعة” الثورية واليسارية. أما رئيس الوزراء، فهو لم يسلم من نقده اللاذع المنشور في كتابه الجديد، وأيضًا معارضته الشرسة لسياسته في كل مظاهرة واعتصام.

في غرفة العناية المركزة، يكتشف الجمهور ذاك الشخص المخفي في بداية الحلقة، الغامض بسلامته يفصح عن خريطة ملامحه، انه هو.. الزعيم “عادل إمام”، يلبس شخصية “فوزي جمعة” المثير للأرق والصداع لدى النظام، والمثير لحماسة الشباب الثائر. في تلك اللقطة يأتي وكيل النيابة من اجل الشروع في التحقيق في ملابسات واقعة الاعتداء الذي تعرض له “فوزي”، يسأله الوكيل.. من قام بالاعتداء عليك؟

يرد عليه “فوزي” بإشارة إصبعه السبابة، ويصوبها نحوه. (كأنه يتهم وكيل النيابة) ، يعيد وكيل النيابة نفس السؤال.

يرد “فوزي” بنفس الإشارة، ويصوب بأصابع يده الخمسة نحو وكيل النيابة ومن معه من مساعدين ورجال شرطة. وفي لحظة مثقلة بالحسم، افرج عن كلمة واحدة تقسم ظهر الحقيقة، قالها وهي الجهة التي يتهمها : “النظام”.

شخصية “فوزي جمعة”، الأستاذ ورئيس قسم علم الحشرات بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، ليست سوى من وحي خيال المؤلف والسيناريست الكبير “يوسف معاطي”، والذي ألف للزعيم “عادل إمام” سلسلة من الأعمال السينمائية الناجحة والأكثر جماهيرية في مصر والعالم العربي، كفيلم “الواد محروس بتاع الوزير”، ” السفارة في العمارة”، “مرجان احمد مرجان”، و”بوبوس”، لينتقل مع أستاذ الكوميديا إلى معشوقة البيوت، ويقدم للتلفزيون أعمالا درامية من قبيل “فرقة ناجي عطا الله”، “العراف”، و”صاحب السعادة”.

الأكيد أن زعيم الكوميديا استطاع أن يوحد شعوبنا المنقسمة، من خلال أعماله التي تبقى خالدة وناجحة بفكرتها وعمق رسالتها الفنية، لكن هل سيوحد هذه المرة “أستاذ ورئيس قسم” من خلال شخصية “فوزي جمعة” (الثوري واليساري المشاكس للنظام، والمتعاطف مع الفقراء والكادحين) جمهورًا واسعًا من المشاهدين، وينال رضاهم واستحسان أدائه الفني؟

وهل سيُعَبر هذا العمل الدرامي حقًّا عن ثورة الـ25 من يناير، وما تلاها من أحداث ومواقف سياسية ومجتمعية أفضت إلى تداعيات ما زالت تعيش على وقعها بلاد الكنانة؟ وكيف ستكون المعالجة الدرامية لتلك الأحداث؟ هل سيقف المؤلف على موقف الحياد من ما وقع؟ أم أنه سيتحيز لطرف على حساب آخر؟

هل سيسخر من كل الأطراف المجتمعية كما عودنا في أعماله السابقة؟ أم أنه سيكتفي بالسخرية على طرف واحد فقط؟ والأهم من ذلك هل سيجرؤ هذا العمل على نقد ومعالجة مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013 بعيدًا عن الشعارات الجوفاء، والخطاب الإعلامي الفج؟

في انتظار الإجابات، نترك العمل يفصح عن ما في جعبته من حلقات وأحداث، آنذاك نترك الحكم للجمهور والنقاد، فلهم واسع النقد والنظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد