فى عام 1984 خرج إلى النور أول قصة تحمل اسم الاختفاء الغامض .. نشرتها المؤسسة العربية الحديثة للنشر .. تحت سلسة تسمى: رجل المستحيل، لا د نبيل فاروق، مؤلف هذه السلسة، ولا حمدي مصطفى، الناشر، كانا يتوقعان هذا النجاح الذي سيحالف سلسلتهم .. سلسة رجل المستحيل .. والتى قلبت طاولة مبيعات الكتب في مصر قاطبة .. فأصبح أدهم صبري – بعد أول عشرة أعداد – معبود الشباب، أو دعنا نقُل: المراهقين.

أصبحت منافذ البيع لهذه السلسة، هي أماكن بيع الشغف لكل عشاق هذه السلسلة، فكل قصة تصدر جديدة كان ينتظرها الشباب في شغف حقيقي، وترقب ملهوف.

في سن العاشرة تقريبًا، بدأت علاقتي برجل المستحيل، كانت أول قصة حملها لي والدي، وكانت تحمل اسم: حلفاء الشر، ولم تنته هذه العلاقة، حتى أيام قريبة جدًا، كانت علاقة من نوع غريب جدًا، أكاد أجزم أنى أحمل مع حياتي حياة أخرى، ألا وهي حياة أدهم صبري، بكل مبادئه ورؤيته للأشياء، ووطنيته وانتصاراته، وكأنه عالم مواز، ألقي قبل ان ألجه كل قناعاتي ومشاهداتي؛ لكى أعيش انتصارات أدهم صبري على كل مخابرات وعصابات العالم: أهل الشر، أدهم صبري ظل فترة كبيرة في حياتي هو مثال النجاح والوطنية.

كان أدهم صبري – رجل المخابرات المصري، ذو الرابعة والثلاثين عامًا – يجيد التعامل مع كل الأسلحة، ويتكلم كل اللغات الحية تقريبًا، ويجيد كل الفنون القتالية، ويتقن فنون التنكر، ويمتلك حنجرة مرنة يستطيع بها أن يقلد خرير الماء، أدهم صبري كان لا يدخن السجائر، ولا يعاقر الخمر، ويرفض أية علاقات غير شرعية مع النساء، على الرغم من وسامته التي تجعله محط أنظار النساء في كل بلد يذهب إليه.

باختصار: أدهم صبري كان المعادل المصري المسلم لجيمس بوند البريطاني، وربما سوبر مان الأمريكاني.

وكان جمال سلسلة رجل المستحيل التي أبدعها دكتور نبيل فاروق في أوائل الثمانينات، أنها كانت في شكل قصص متسلسلة، ليست كبيرة المحتوى، ومسلية للغاية، ومكتوبة بأسلوب جميل وشيق وغير ممل، ومكمن الجمال هنا، أنه ليس فيلمًا محدد التفاصيل تشاهده، ولكنها قصص متسلسلة، كونت أفكارنا، واحتلت فترة كبيرة من عمر ووجدان شباب التسعينات، وشيدت جزء غير هين من مفاهيمهم وتصورهم عن الأشياء في وقت لم يكن هناك الكثير من الأدوات للتعرف على العالم، إلا من خلال أدهم صبري ومغامراته عبر العالم.

عبقرية الناشر لم تتوقف عند اختيار توقيتات النشر؛ فقد كان ينشرها في العطلات المدرسية والجامعية، ولكن في اختيار حجم الكتاب، فقد كان متوسط الحجم يسهل حمله، ومن هنا جاءت تسمية هذه الروايات: روايات مصرية للجيب، فصار أغلب الشباب يحملون في جيوبهم الخلفية الأعداد المختلفة لهذه السلسلة، فقد أعاد حمدي مصطفى، الناشر، ونبيل فاروق، الرونق إلى كل الأماكن في مصر؛ بعودة القراءة في أي مكان في مصر.

عندما قامت الثورة يوم 25 يناير، ولا يخفى على أحد أن أغلبية من قاموا بالمظاهرات والاحتجاجات كانوا من الشباب – وهو الطبيعي – لما يحدث في مظاهرات العالم السياسية، فيكون قوامها الرئيس من الشباب، أكاد أجزم أن معظم من قاموا بالثورة من كانت أعمارهم تتراوح ما بين الخامسة والعشرين، إلى الخامسة والثلاثين، كانوا من قراء سلسة رجل المستحيل، وأكاد أكون على يقين تام، أن من كون الجزء الأغلب من إدراكهم هو أدهم صبري.

وعلى ما أعتقد أنهم بحثوا كثيرًا عن أدهم صبري في كل ميادين مصر؛ لكى يعطيهم الأمل والثقة التي كان كل الناس يسحبونها منهم، فقد أعطوه كل طفولتهم وشبابهم وأحلامهم وتلمسهم للأشياء، فقد آن له أن يرد الجميل لهم في هذه اللحظات المهمة والفاعلة على الأرض، فقد فعلوا ما كانوا يتصورون أدهم صبري يحرضهم عليه طوال حياتهم الملاصقة لحياته الورقية.

وإذ بعمر سليمان – مدير المخابرات المصرية – في حينها، وهو يدعو الشباب – في عز امتلاكهم للشارع – إلى العودة لمنازلهم؛ لأنهم يتم استخدامهم من قبل الأعداء لهدم الدولة المصرية، كانت أول صفعة على وجهي؛ كى أفيق من ذلك العالم الوردي الذي رسمته للمخابرات المصرية التي تقاتل لرفعة اسم مصر.

أية دولة التي يتكلم عنها الرجل الذي يسعى هذا الشباب لهدمها؟

دولة مبارك التي يعلم القاصي والداني أنها دولة المحسوبية والفساد، دولة معدلات السرطان، وفيروس سي غير المسبوقة، وموت الناس بلا ثمن في شتى بقاع الأرض، إما حرقًا أو غرقًا أو ردمًا، وبعد ذلك عرفت أن عمر سليمان هو من المرتزقة المشهورين على مستوى العالم في التعذيب بالوكالة: فإذا أرادت أمريكا أن تنتزع اعترافًا من مسجون في جوانتنامو مثلًا، عندها يتم تهديده بأنه سيتم إرساله إلى مصر.

إذا أرسلت مسجونًا إلى الأردن؛ فإنك سوف تحصل على اعتراف، أما إذا أرسلته إلى مصر؛ فإنك قد لا تراه مرة أخرى. مصر كما تريدها أمريكا. لويد جارند.

فى 2014 استضيف دكتور نبيل فاروق، مؤلف السلسة نفسه، في حوار تليفزيونى مع الكاتب والمذيع إبراهيم عيسى، وبعد عبارات الثناء والشكر والتملق ما بين المذيع والضيف، إذ بالرجل، نبيل فاروق، ينهال على الشباب باتهامات الغفلة وعدم الدراية ببواطن الأمور، ويسخر بشدة من ثورتهم، واحتجاجهم، ولمن تابع مقالاته بعد ذلك تراه يحاول – بكل جهده – أن يثبت ان هذة الثورة مؤامرة كبرى من قوى العالم الكبرى لعرقلة مسيرة مصر المبهرة، ويلوك مصطلحات من نوعية حروب الجيل الرابع، والطابور الخامس، التي لا تختلف كثيرًا عما يصدره أحمد موسى – المذيع الألمعي – لمشاهديه.

هل تعلم ما هى المؤامرة الحقيقية يا دكتور نبيل؟ المؤامرة الحقيقة هي أنت! المؤامرة التي صنعتها أنت على عقولنا طوال العشرين سنة الفائتة، ولكنها – لسوء حظك – باءت بالفشل، فقد رسمت لنا عالم من الأكاذيب صاحبنا كثيرًا حتى ظنناه حقيقيًا أصبح أدهم صبري هو بطلنا ومرجعيتنا، وقائد ثورتنا، ولأننا نعلم أن هذا ما أراده أدهم صبري الذى صنعته عقولنا، وما أردناه نحن له، فهذا عزاؤنا فيما أضعناه من عمر في حضرة أدهم صبري أما أنت فسندعك مع ملايينك التي جنيتها من جيوبنا، ونتركك مع الملفات السرية لمخابرات عمر سليمان التي تروج لبطولات التعذيب والحروب بالوكالة، أما نحن، فلنا رجل المستحيل الذي تخيلناه، والذي لم يخنا أو نخنه، وليس الخبير الاستراتيجى الذي أردته أنت، الذي يردد هراء حروب الجيل الرابع والطابور الخامس.

لكم خبيركم الاستراتيجي، ولنا أدهم صبري: مفجر ثورتنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد