الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.. ففي الخامس عشر من الشهر الجاري، نشر الدكتور عدنان إبراهيم تغريدة على حسابه يترحم فيها على العالم الفيزيائي ستيفن هوكينج الذي مات مؤخرًا، ودعا الله له بالرحمة والمغفرة، ثم ألحق هذه التغريدة بأخرى يخاطب فيها متابعيه بأنه في خطبة الجمعة سيوضح وجهة نظره، والتي سيتبين من خلالها لماذا ترحم على الرجل.

كنت قد تعرضت في مقال سابق لمسألة ستيفن هوكينج كظاهرة وحالة النزاع التي قامت على هامش موت الرجل وملاحظاتي عليها بصورة عامة، وكانت من ملاحظاتي أولئك الحمقى الذين يترحمون على من لا يؤمن أساسًا بتلك الرحمة.

عدنان إبراهيم أتحفنا بعد ترقب بخطبة زادت عن الساعة أتبعها بساعة أخرى يتكلم فيها عن ما قرره في الخطبة الأساسية، وقد ضغطت على نفسي حتى أكمل خطبته والتي كان لي فيها ملاحظات.

اعتمد عدنان إبراهيم في خطبته على ما أسميه (كارت الرحمة)، وهذا الكارت هو الذي يعتمد عليه كل من يرد أحكامًا مثل الردة والرجم وغير ذلك، وهو مع ذلك لم يتمكن من التأصيل لأن هذه الرحمة سببًا في جواز الترحم على الكافر، الكافر.. هذا اللفظ الذي يرى عدنان إبراهيم أنه من الأنسب أن نستخدم بدلًا عنه وصف (غير مسلم).

دمج عدنان إبراهيم (بقصد أو بغير قصد) بين عدة قضايا تستحق النقاش كل على حده وهي: التألّي على الله، ومصير الكافر يوم القيامة، وجواز الترحم عليه عند مماته، وسنعلم في السطور القادمة ما الإشكالية في ذلك.

فعل عدنان إبراهيم كما يفعل في كل خطبه، وهو أنه يشجب تصرفات أولئك (الجهلة الظلاميين المتخلفين الذين ليس عندهم فقه ولا فهم) وهذا هو أهم أسباب تمريره لتنظيراته التي كثيرًا ما تنافي العلم وحتى المنطق والعقل؛ لأن جمهوره كان قد أٌقر بأفكاره قبل أن يعلن عنها لأنها البديل الأفضل لأفكار تلك الجماعة التي ذكرناها بين قوسين أعلاه.

أكبر المشكلات التي واجهت عدنان إبراهيم هي أنه كان يحتاج للإستدلال بآية سورة الأعراف 156: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ.. وكما هو واضح، فالجزء الأول يخدم فكرة عدنان إبراهيم كثيرًا، ولكن المشكلة كانت في الجزء الثاني وهو القيد الذي تم به تخصيص الرحمة، حاول الدكتور أن يشاغب قليلًا هنا بالقول أن هذا التخصيص هو لأفراد تلك الرحمة لأنه بحسب قوله لا يمكن (لغويًا) أن يتم تخصيصها كلها على ما أسماهم (بعض الأفراد)، أما الباقي بحسب قوله فسيكون في علم الغيب قد يكون من نصيب من كفر وقد لا يكون.

الذي فعله الدكتور عدنان إبراهيم في الخطبة هو أنه رد على الذين يقولون بعدم جواز الترحم على الكافر بأنه لا هو، ولا هم، يعلمون بحقيقة ما حدث.. ربما سيغفر الله له وربما لا يغفر له، فالأمر كله غامض ولا سبيل إلى معرفته، والسؤال هنا لو كان الدكتور لا يعلم حقيقة ما حدث، فلماذا ترّحم على الرجل ودعا له بالمغفرة؟ أليس من يفعل ذلك يجب أن يكون موقنًا من إباحة الشرع لذلك الفعل أو أنه مندوب؟

عدنان إبراهيم قدم خطبة طويلة عريضة مجمل الذي فعله فيها هو التشغيب على القول الثابت والمدعوم بالأدلة بإيراد الأمور الغيبية التي لا يسعنا إدراكها وهذا من التلبيس إذ إن تنفيذ أحكام الشرع لا يكون وفق ثبوت العلم المطلق لدينا والذي يوازي علم الله تعالى، ولكن وفق ما يصل إليه إدراك البشر، وما يثبت عندهم من أدلة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها.

والشاهد هنا أن الحكم يكون وفق اجتهاد الحاكم، بما يثبت عنده من أدلة، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر، والذي ثبت في القرآن الكريم وميراث السنة النبوية أنه لا يجوز الترحم على الكافر أيًا كان، أما دخوله إلى النار، فنحن بحسب ما وصلنا من العلم أنه كان ينكر وجود الله، ولا يؤمن بآخرة، ولا بعث، ولا رسل، ولا أيًا من ذلك، وهذه تودي بصاحبها إلى النار فإن كان جدال عدنان إبراهيم في التألي، فهذا ليس من التألي؛ لأن هذا يظل حديثًا نظريًا، فنحن لا ندري ربما تاب الرجل قبل موته من أفكاره وربما أقر بالشهادتين، وفي كل فأمره متروك إلى الله.

الذي يهمني هنا هو تسليط الضوء على الاجتهاد والمثابرة على أن شخصيات مثل هوكينج يجب.. يجب.. أن تكون في الجنة، فهي لا تشبه أهل النار، وهذا يعود لأسباب منها أن هؤلاء المثابرين على إدخال هوكينج وأمثاله الجنة، لديهم تصور معين عن الكفر، فهو عندهم بالضرورة يجب أن يكون قبيح الشكل والخلقة وسيئ التعامل كما أنه سفاح ودموي.. رجل لا يطاق.. ولكن من الوحشية أن نطلق على رجل خدم الإنسانية بأنه كافر، وهذا يتعارض مع حالة الغموض التي كان يكرس لها جهده طوال الخطبة إذ إنه كيف تترحم على رجل أنت لا تعلم سريرته ولا تعلم ما ينتويه، ولا ما يضمره لهذا الدين وللدعوة والدعاة، بل إن الدكتور لا يعلم رأي ستيفن هوكينج فيه هو كرجل يصعد المنبر كل جمعة يخطب فيهم، ثم يصلي بهم لإله صرّح أكثر من مرة أنه غير موجود.

نذكّر أنفسنا والدكتور أن العمل ما لم يكن خالصًا لوجه الله فإنه غير مقبول وأنه الكثير من الأعمال يمكن أن يأت عليها الله تعالى يوم القيامة فتصير هباءً منثورًا، وأنه هناك وجوه خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية، أي وجوه ظهر عليها التعب والإجهاد من كثرة العبادة يؤتى بها يوم القيامة وتُلقى في نار جهنم والعياذ بالله، هذا بين المسلمين فكيف بمن هم لا ينتمون إلى هذه الأمة ولا يؤمنون بما تؤمن به هذه الملّة.

أما مفهوم الخير والشر فهو أمر إدراكنا له محدود ولا نستطيع أن نربطه ربطًا مطلقًا بحبنا أو كرهنا له كما في قول الله تعالى في سورة البقرة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216). فالأمر يتعلق بالأساس على الحكم الشرعي وحبنا وكرهنا للأشياء يجب أن يكون تابعًا له، وليس العكس.

يزعم الدكتور عدنان إبراهيم أنه هناك الكثير من الأشياء التي كفر بسببها الكثير من الكفار لا ذنب لهم فيها مثل نمو بعض الجينات التي قادتهم إلى الكفر، فماذا عن أن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وأنه أنطقهم في عالم الذر بالإقرار بألوهيته، اما المسرحية الخيالية التي سردها لنا عن محاججة ستيفن هوكينج لربه فمن المفترض أن هوكينج لا يؤمن إلا بالدليل ويستطيع التفريق بين الدليل الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالنتيجة التي يوصل إليها وبين العوامل الظرفية التي قد تشوش على الباحث عن الحق، ولكن لا تخفيه عنه تمامًا، فلماذا نقر بأن هوكينج يبحث لنظرياته عن الدليل العلمي، وعندما يأتي للإسلام نقول إنه تأثر بممارسات بعض الذين فرطوا في واجبهم تجاهه؟ هل عند الدكتور يمكن أن يكون هذا مبررًا للنجاة من العذاب يوم القيامة؟

ختامًا

هل القول بعدم جواز الترحم على هوكينج هو ناجم عن كراهية وحقد؟ قد يكون هذا عند أشخاص لا أعلم، ولكن الأمر في الحقيقة لا يتعلق بالرجل من الأساس، بل بما يجب أن نفعله نحن في هذه الحالة فترحمنا عليه لن يزيده أو ينقصه شيئًا، وإنما سينقلب علينا ويوقعنا نحن في المخالفة، لك أن تعدد إنجازاته وأبحاثه كما تشاء وقد دعوت أنا سابقًا لدراسة حياة هذا الرجل والظروف التي أحاطت به أثناء فترة دراسته وبعدها، ولكن لو حسبت أن ما قدمه يمكن أن يشفع له يوم القيامة أن ينجو من عقوبة ما ثبت عنه من إلحاد وكفر بالله لكان الأولى أن يشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب الذي أحبه، والذي مات على الكفر وحكم الله تعالى عليه بالنار، فقصة كهذه لم تصلنا من فراغ، وإنما لنتعلم منها، ونأخذ منها العبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, رأي, مقال, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد